صفتا كمال في حقه سبحانه، و قد نص عليهما الوحي الصحيح، و لا ينكرهما العقل الصريح. و لا فرق بين إثباتهما و إثبات الصفات الأخرى كالسمع و البصر، و القدرة و الإرادة. فكما أن هذه الصفات أثبتها الله تعالى لنفسه، و هي لا تُشبه صفات مخلوقاته، فنفس الأمر ينطبق على صفتي الاستواء و النزول. و عليه فلا يُوجد أي تناقض في إثباتهما مع قوله تعالى: (( ليس كمثله شيء ) ). بل هو موقف ينسجم تمام الإنسام مع آية عدم المماثلة التي جمعت بين التنزيه و الإثبات، كما سبق أن بيناه.
لكن من جهة أخرى، أن هذا المعتزلي هو الذي حرّف آية عدم المماثلة من جهتين: الأولى أنه قسّم قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} الشورى 11 - إلى جزأين: فأخذ بالأول، و أغفل الثاني الذي هو صريح في إثبات صفتي السمع و البصر. و الجهة الثانية أنه أوّل الجزء الأول تأويلا تحريفيا أفسد به المعنى. لأن قوله تعالى: (( ليس كمثله شيء ) )لم ينف الصفات عن الله تعالى، و إنما نفى عنه مُماثلته لخلقه في ذاته و صفاته؛ فجاء هذا المُحرّف و فهم منه نفي الصفات!!.
الشاهد الأخير - الرابع- مضمونه أنه إذا فرضنا جدلا أن إثبات الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه يعني تناقضا و تشبيها، فهذا لا يخص أهل السنة وحدهم و إنما يخص كل الطوائف دون استنثاء. لأن ما من طائفة إلا و أثبتت لله بعض الصفات التي أثبتها لنفسه. و عليه فتكون كلها منناقضة مع نفسها، و مُشبهة لصفات الله. و بما أن هذا لا يصح، فالصواب هو أن التناقض و التشبيه لا يحدثان عندما نُثبت لله ما أثبته لنفسه من صفات على أساس من التنزيه و عدم مماثلتها لصفات المخلوقين؛ و إنما يحدث التناقض عندما نُثبت وجود الله ثم ننفي عنه اتصافه بصفات الكمال التي أثبتها لنفسه. و يحدث التشبيه عندما نُثبت لله الصفات و نُشبهها بصفات مخلوقاته ونُمثلها بها.
و رابعا فقد اتضح أن المعتزلة في نفيهم للصفات الإلهية غالطوا و لبّسوا على غيرهم. فهم مع أنهم نصوا صراحة على عدم اتصاف الله تعالى بصفات لها معانٍ حقيقية، إلا أنهم تظاهروا أنهم يُثبتون صفاتٍ هي عين الذات، بمعنى أنها هي الذات، و هي الله. و هذا تحريف و تلاعب منهم، و لا يصح أيضا، لأنه إذا كان الله تعالى مُتصف بصفات الكمال اتصافا حقيقيا، فهذا يُبطل قولهم بنفي اتصاف الله تعالى بصفاتٍ لها معانٍ