فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 218

بالجزء الأول من الآية و فهمه فهما تحريفيا، و أغفل الجزء الآخر الذي أثبت لله صفتي السمع و البصر. و الناحية الثانية أن ما أثبته أهل السنة من استواء و نزول، هو أمر أثبته الشرع لله تعالى و ليس أهل السنة هم الذي أثبتوه له. قال تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} الأعراف 143 - ،و {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} طه 5 - .و في الحديث الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعونى فأستجيب له ومن يسألنى فأعطيه ومن يستغفرنى فأغفر له» [1] .

فواضح من ذلك أن هذا الرجل خالف الشرع مُخالفة صريحة، و أوّله تأويلا تحريفيا، ثم اختفى من وراء النقد الذي وجهه لأهل السنة. مع أن الحقيقة هي أن السنيين أثبتوا لله تعالى مأثبته له الشرع، لكن هذا الرجل هو الذي انحرف عنه و أوّله تأويلا فاسدا. و هو باتهامه لأهل السنة بالتناقض يكون قد وصف القرآن الكريم بالتناقض من حيث يدري أو لا يدري. بل إن الحقيقة هي أن عبد الجبار قد اتهم الله تعالى بالتناقض لأن القرآن هو الذي أثبت تلك الصفات، و هو كلامه سبحانه و تعالى. و هذه جريمة كبرى وقع فيها هذا المعتزلي باتهامه لله و كتابه بالتناقض. فهو في الوقت الذي يتظاهر بأنه حريص على الشرع وجدناه حربا عليه، بأنكار حقائقه و التسلط عليه بالتأويل التحريفي لنصوصه.

و الشاهد الثالث مضمونه أن موقف أهل السنة من الصفات لا يُوجد فيه أي تناقض، وهو مُنسجم تمام الانسجام مع الشرع و العقل. لأن قولهم بأن الله ليس كمثله شيء، لا يعني عندهم نفي الصفات، و لا إثبات الصفات يعني عندهم التشبيه كما هو حال نُفاة الصفات. و إنما يعنون بذلك إثبات كل الصفات التي قام الدليل على اتصاف الله بها، مع عدم مماثلتها لصفات مخلوقاته، و هذا أمر سبق أن بيناه. و عليه فهم عندما أثبتوا صفات السمع و البصر، أو الاستواء على العرش، أو النزول إلى السماء الدنيا أثبتوها على أساس امرين، هما: إن تلك الصفات الشرع هو الذي أثبتها لله فيجب إثباتها له، و إن تلك الصفات يجب إثباتها على أنها لا تُشبه صفات المخلوقين أبدا. فأين التناقض المزعوم؟؟!!. و إثبات الاستواء و النزول ليس نقضا لقاعدة التنزيه، و لا لإثبات الصفات، فهما

(1) مسلم: الصحيح، ج 2 ص: 175.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت