فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 218

و أن قوله:"ليس كمثله شيء"حقيقة في الوحيد )) [1] . و قول أبي علي الجبائي: (( و خرجوا بذلك عما كان عليه الرسول و الصدر الأول، عما نطق به الكتاب من أنه"ليس كمثله شيء") ) [2] .

فهل هؤلاء فَعَلا ذلك عن قصد و تعمد و ترصد، لغاية في نفسيهما، أم أنهما فعلا ذلك عفويا من غير تعمد؟!. الأرجح عندي أنهما تعمدا ذلك، انتصارا لمذهبهما. لأن الآية بتمامها هي ضدهم، و تنقض مذهبهم نقضا صريحا، فهي جمعت بين التنزيه و الإثبات، فنفت مُماثلة الله تعالى لمخلوقاته، و أثبتت له السمع و البصر كنموذجين من صفاته من باب المثال لا الحصر؛ لكن الجزء الذي استشهدوا به مع أنه في الحقيقة لا يُُثبت موقفهم النافي للصفات، إلا أنهم رأوا فيه أنه يتضمن نفيا من أن يكون الخالق مُشابها لمخلوقاته في ذاته، قتمسكوا به تغليطا و تلبيسا لنفي الصفات الإلهية، ليُوهموا أنفسهم و غيرهم بأن هذا الجزء يُثبت ذاتا بلا صفات.

و الشاهد على ذلك أيضا أن القاضي عبد الجبار اتهم أهل السنة - دون أن يُسميهم- بأهم متناقضون في موقفهم من الصفات، فقال: (( و قال قوم: إن الله تعالى ليس كمثله شيء، و هو مع ذلك على العرش يستوي و ينزل إلى السماء الدنيا، فناقضوا ) ) [3] .

و أقول: قوله هذا اتهام باطل جملة و تفصيلا، و لا يُوجد أي تناقض في موقف أهل السنة، وإنما الرجل نظر إلى الموضوع من خلفيته المذهبية التشبيهية التحريفية للنصوص. و الشواهد الآتية توضح ذلك و تكشف الرجل و أصحابه على حقيقتهم. أولها إنه واضح من كلام الرجل أنه فهم من قوله تعالى (( ليس كمثله شيء ) )نفي اتصاف الله تعالى بالصفات، و لم يفهم منه ما أراده الله تعالى بالآية كاملة من نفي للمماثلة مع مخلوقاته، و إثبات للصفات من جهة أخرى.

و الثاني مفاده إأن هذا الرجل- في الحقيقة- أنكر ما أثبته الشرع لله تعالى من صفات من ناحيتين: الأولى أن آية عدم المماثلة جمعت بين التنزيه و الإثبات، فنزّهت الله تعالى و أثبتت له السمع و البصر {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} الشورى 11 - . فجاء هذا الرجل المُحرّف فأخذ

(1) أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار، و الحاكم الجشمي: فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة، ص: 139.

(2) نفس المصدر، ص: 149.

(3) القاضي عبد الجبار: المختصر في أصول الدين، ص: 282.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت