فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 218

أن الحقيقة هي أن حكاية الجسمية و التحيز التي ذكروها تتعلق بالمخلوق لا بالخالق، لأن الخالق بما أنه موجود فهو فوق الزمان و المكان و فوق كل مخلوق لا تحيط به مخلوقاتاه من جهة، و له مكانه و جهته حسب ذاته و صفاته على أساس عدم مماثلته لمخلوقاته من جهة أخرى.

و إنهاءً لهذا المبحث يُستنتج منه أولا إن تبني المعتزلة لمبدأ التأويل التحريفي للصفات الإلهية و ممارستهم له، لا يتفق مع مذهبم في نفيهم للصفات كما سبق أن بيناه في المبحث الأول. فبما أنهم نفوها فلماذا يُؤوّلون، وماذا يُؤولون؟؟. فممارستهم له هو نقض لمبدئهم في نفي الصفات!!، و الذي يتفق مع مذهبهم عدم الأخذ به مُطلقا، لأن الأخذ به هو نقض لأصلهم المُتعلق بالصفات. لكن القوم هذا هو حالهم و ديدنهم، فعندما خالفوا الشرع و العقل في موقفهم من الصفات الإلهية وقعوا في التناقض، و لم يقدروا على التخلص منه و ما ترتبت عنه من أخطاء و انحرافات.

و ثانيا إنه لا توجد في الشرع الصحيح مشكلة صفات أصلا، لأن الشرع حسم موضوعها حسما، و بينها بيانا واضحا جليا لا لُبس فيه لمن أحسن الفهم عن الشرع و أخذ به بطريقة صحيحة و من دون خلفيات مذهبية. و تفصيل ذلك من جهتين: الأولى مفادها هو أن الشرع أجمل في التنزيه و فصّل في الإثبات، فذكر قواعد و منطلقات تحكم الصفات الإلهية، منها يجب النظر إلى الصفات كلها. و قد نصت عليها آيات قرآنية مُحكمة، منها قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} - سورة الإخلاص:1 - 4 - ،و {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} الشورى 11 - ، و {فَلاَ تَضْرِبُوا لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} النحل 74 - ، و {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} الروم 27 - ، {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} الأعراف 180 -

تلك المنطلقات هي قواعد التنزيه، منها يجب النظر إلى كل الصفات الإلهية التي فصّلها الشرع، كقوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت