فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 218

يجوز على الجسم الذي يجاور مكانه أو على العرض الذي يحل كحلول السواد في الأسود، و الله جل وعز يتعالى عن الأمرين فلا يجوز عليه الكون في المكان، وإنما وصف بذلك مجازا من حيث يدبر الأماكن و يحفظها، فيقال انه فيها، ويراد تدبيره و حفظه )) [1] .

و قال المحسن الجشمي: (( مسألة في نفي المكان والجهة: الَّذي يقوله مشايخنا: إنه تعالى لا يجوز عليه المكان والجهة، والمشبهة بأسرها يثبتون له مكانًا وجهةً، ومنهم من يقول: هو على العرش مستقر. يقال لهم: المصحح لكون الشيء في مكان وجهة التحيز، أفتقولون إنه متحيزٌ أو لا؟. فإن قالوا: لا أحالوا الوصف مع عدم التحيز بالجهة كالأعراض، وإن قالوا متحيِّزٌ. قلنا: فوجب أن يكون مثلًا للأجسام؛ لأن التحيز من الصفات الواجبة التي توجب التماثل ) ) [2] .

و قال محمود الزمخشري: (ولا يشغل جهة، ولا يحل في جرمٍ، ولا يكون في مكان [3] ،و(( وليس في مكان؛ لأنه لو شغله لكان جسما، ولو لم يشغله لم يفصل بين أن يكون فيه وبين أن لا يكون فيه، ومعنى قولنا: هو في كل مكان أنه عالم بما في كل مكان ) ) [4] . ولا يشغل جهة، ولا يحل في جرمٍ، ولا يكون في مكان [5] .

و أقول: أولا إن هؤلاء خالفوا بتلك الأقوال العقل و الشرع و جنوا عليهما فيما يتعلق بصفة الحركة و المكان و الجهة. فأما عقلا فإن الصفات التي أجمعوا عليها بأن الله تعالى لا يتحرك و لا يسكن، و ليس له جهات، و لا فوق و لا تحت [6] . فهي في الحقيقة كلام متناقض، و لا يمكن أن يتصف بها موجود، و لا يتصف بها إلا معدوم. فهل يُعقل أن يُوجد كائن مُتصف بتلك الصفات؟ ّ،. و أين العقل الذي احتكموا إليه؟؟!!. أليس العقل يقول: إن الموجود إما أن يكون يتحرك، أو ساكن لا يتحرك، أو أنه يجمع بين الحركة و السكون. و لا يُوجد احتمال آخر يُمكن أن يتصوّره العقل في الكائن. فبأي عقل تصوّروا مزاعمهم؟؟!، و أي عقل احتكموا إليه في زعمهم؟؟،و ما هو الدليل الصحيح الذي يُثبت قولهم؟!. إنهم لم يُقدموا دليلا صحيحا يُثبت مزاعمهم، و إن تَصُورها كافٍ واحده لرفضها، لأنها ليست من الشرع و لا من العقل، و لا من العلم، و إنما هي من أهواء المعتزلة و ظنونهم و سفسطاتهم.

علما بأن اتصاف الله بصفات الحركة و السكون، و الجهة و الفوقية ليست هي صفات نقص و لا عيب لكي يتنزه الله تعالى من الاتصاف بها، و إنما هي صفات كمال هي في حق الخالق لا نقص فيها و لا عيب. فهذا هو الذي يقوله العقل البديهي، و هو قول صحيح لا تشبيه فيه، و لا تجسيم و لا نقص فيه. فالله تعالى بما أنه فعال لما يريد و مُتصف بكل صفات الكمال، و على كل شيء قدير، فهو إن فعل ساكنا، أو متحركا فهذا كله كمال في حقه، لأنه يفعل ما يشاء و يختار عن غنى لا عن حاجة. و لاشك أن الكائن الذي يستطيع أن يفعل في سكونه و حركته أفضل من الذي يفعل في سكونه دون حركته، أو في حركته دون سكونه.

و أما بالنسبة لصفة الجهة، فهي أولا ليست صفة نقص حتى تُنفى، و إنما هي صفه ضرورية لكال موجود، لأن المعدوم هو الذي لا جهة له، و لا فوق و لا تحت و أما الموجود فمن المنطقي جدا أن تكون له جهة بحكم أنه موجود. فإذا كان هذا الموجود مخلوقا لا شك أن له فوق و تحت و قد توجد مخلوقات فوقه. و أما بالنسبة للخالق عز وجل فهو سبحانه هو الأعلى الأعظم، فيكون أعلى و فوق مخلوقاته شرفا و مكانا و لا شيء فوقه أبدا.

و أما من الناحية الشرعية فقد أكدت النصوص الشرعية على أن الله تعالى يتحرك و يسكن و هو الأعلى، و فوق عباده سبحانه. منها قوله سبحانه: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} الأعراف 143 - ،و {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} طه 5 - ،و {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} الفجر 22 - ،و {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} النحل 50 - ،و {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} الأعلى 1 - . و في الحديث الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعونى فأستجيب له ومن يسألنى فأعطيه ومن يستغفرنى فأغفر له» [7] . و الله تعالى هو الأدرى بنفسه، و لا معقب لأحد من بعده، و ليس من العقل الاعتراض و لا التقدم عليه.

(1) القاضي عبد الجبار: المختصر في أصول الدين، ص: 219.

(2) المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول، ص: 75.

(3) الزمخشري: المنهاج في أصول الدين، ص: 8.

(4) نفسه، ص: 9.

(5) نفسه، ص: 8.

(6) أبو الحسن الأشعري: مقالات الإسلاميين، ج 1 ص: 235، 236.

(7) مسلم: الصحيح، ج 2 ص: 175.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت