و قال تعالى: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} الرعد 13 - . فالآية هنا صريحة واضحة بانها وصفت الله تعالى بالشديد المحال. بمعنى أنه الشديد القوة أو الأخذ. فلماذا أغفل عبد الجبار هذه الآية التي تنسف تأويله الفاسد من أساسه. إنه غَالَط و حَرّف، و مارس الانتقتاء و الاغفال حسب هواه و مذهبه، و لم يكن يهمه معرفة الحقيقة شرعا و لا عقلا، و إنما كان همه أن ينتصر لمذهبيته التحريفية. فلو كان يهمه معرفة الحقيقة لجمع كل الآيات التي وصفت الله تعالى بالشديد، و فسرها بنفسها أولا، ثم بما صح من السنة النبوية ثانيا، و بما يقوله العقل الصريح و العلم الصحيح ثالثا. لكن الرجل جعل كل هذا وراء ظهره و أوّل الآية تأويلا تحريفيا حسب هواه.
علما بأن تلك الآيات كما وصفت الله تعالى بأنه شديد العقاب، فلا شك أن العقاب الذي يُعاقب به سيكون شديدا أيضا. و هنا أقول: لماذا إذن هو شديد؟ الجواب: لأن الذي أوقعه شديد. فشدة العقاب نتيجة لاتصاف الله تعالى بالشديد. فلا عقاب شديد، دون مُعاقب شديد. فالرجل مراوغ، و مُغالط، و مُلبس فلماذا هذا التحريف المُتعمد للشرع؟!، و أية فائدة منه؟.
و لا يخفى عنا أن صفة الشديد ليست نقصا و لا عيبا، بل هي صفة كمال في حق الخالق، و صفة كمال في الإنسان الذي يستخدمها بحق و عدل و حِكمة. و عليه لا يصح نفيها و لا تأويلها تأويلا فاسدا. و هي صفة توصف بها الماديات و المعنويات، كقولنا: رجل صلب، و خشب صلب، و موقف صلب. فعجبًا من هذا المعتزلي!!، إنه رجل أعماه تعصبه لمذهبه، و أبعده عن الالتزام بالمنهج العلمي الصحيح في الفهم و البحث و الاستدلال!!.
و النموذج الأخير- الرابع - يتعلق بصفتي الحركة و المكان، و مضمونه أن المعتزلة أجمعت على أن الله تعالى لا يتحرك و لا يسكن، و ليس له جهات، و لا فوق و لا تحت [1] . و قال القاضي عبد الجبار: (( فان قال: فَجَوِزوا عليه المكان، قيل له: لا يجوز ذلك، و لأن المكان إنما
(1) أبو الحسن الأشعري: مقالات الإسلاميين، حققه محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، ج 1 ص: 235، 236.