وصف الله تعالى لنفسه بالاستواء على العرش ليس مستحيلا و لا نقصا، و إنما هو كمال في حقه على أساس نصوص التنزيه. و لا يصح أن يُؤوّل استواؤه بالاستيلاء و التملك، فهذا لا يليق به أبدا، لأنه يستبطن وصفا له بالعجز و النقص، بل هو صريح بوصف الله تعالى بالعجز و النقص، و أنه لم يكن مالكا، ثم هيمن و ملك بعد صراع خاضه مع طرف آخر!!. فهل هذا تنزيه و كمال؟، و هل يصف عاقل الخالق بذلك؟!، و أليس هو وَصْف له بصفات المخلوقين الذين يتصارعون على الدنيا حتى يتغلب طرف على آخر. و أما الله تعالى فهو كامل و غني، و مهيمن و مالك، و جبار و مُتكبر بذاته المقدسة، و ليس هو كما زعمت المعتزلة.
و منها صفة الشديد، أوّلها القاضي عبد الجبار بقوله: (( فأما وصفه تعالى بأنه شديد فلا يصح، لأن الشدة هي الصلابة، و لذلك يُقال في الأشياء الصلبة إنها شديدة، و أُجري على القادر تشبيها و مجازا. و أما قوله:(شَدِيدُ الْعِقَابِ البقرة: 196 - ، فالشديد صفة للعقاب لا له، فلا يُعترض ما قلناه. و أما قوله سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} فصلت- 15 - ، فالمراد به أنه أقوى منهم ) ) [1] .
و أقول: هذا الرجل يتكلم بهواه و مذهبه و لا يتكلم بعلم صحيح، و لا بعقل صريح، و لا بوحي صحيح. لأن قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ البقرة: 196 - يختلف عندما نقول: هذا عقاب شديد. فهنا الوصف خاص بالعقاب، لكن في الآية الوصف خاص بالله تعالى و ليس بالعذاب. قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الأنفال 52 - . فالوصف هو لله من دون شك، فكما هو قوي، فهو شديد العقاب، فالآية هي في صدد وصف الله بذلك، و لم تكن في صدد وصف العقاب بالشدة، و لا بغيرها. و كذلك قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} الرعد 6 - . فالآية أكدت على وصف الله تعالى بأنه لشديد العقاب، و لم تقل: إن العقاب لشديد.
و قال تعالى: {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} غافر 3 - . أليس هذه الصفات كلها وصف لله تعالى، منها أنه سبحانه شديد العقاب؟؟!!.
(1) القاضي عبد الجبار المعتزلي: المغني في أبواب التوحيد و العدل: الفرق غير الإسلامية، ص: 216.