ولم يرد تعالى بذلك انه تمكن على العرش جالسًا، وهذا كما يقال في اللغة (استوى البلد للأمير) و (استوت هذه المملكة لفلان) ، وقال الشاعر:
قد استوى بِشْرُ على العراق*** من غير سيف ودم مهراق
فلم يرد جلوسه، وان أراد استيلاءه واستعلاءه.
ولولا أن الأمر كما قلنا لم يكن ذلك تمدحًا عظيمًا، لأن كلًا يصح أن يجلس على سريره وعلى مكانه. وإنما خص العرش بالذكر لأنه أعظم خلقه، فنبه به على أنه على غيره أشد اقتدارًا، كما قال: {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} التوبة 129 - ونبه بذلك على أنه أن يكون ربًا لغيره أولى. )) [1] .
و أقول: إن الرجل و أصحابه لم يفعلوا شيئا صحيحا بتأويلهم لهذه الصفة و غيرها من الصفات؛ و إنما حرّفوا الشرع و وقعوا في التشبيه مع تظاهرهم بالهروب منه. لأنه أولا إنه نفى عن الله الاستواء الذي وصف به نفسه، ثم وصفه بصفات أخرى يتصف بها المخلوق، و شبهه بها. فزعم أن معنى الاستواء المذكور في النص السابق يعني الاقتدار و الملك، و الاستيلاء و الاستواء، كحال الأمير الذي يستولي على البلد و يملكه و يقتدر عليه، و كحال استواء بِشْر على العراق. و هذا تشبيه صريح صارخ لله تعالى ببعض بالأمراء و الملوك من البشر، فشبّه فعله ببعض أفعال هؤلاء. فالرجل لم يُقدم حلا، و إنما زعم أنه يفر من التشبيه فذهب إليه بنفسه، فكان كالذي سعى بظلفه إلى حتفه.
و أما إذا قيل: إن الرجل أوّل صفة الاستواء بالاستيلاء و الملك و الاستعلاء مع عدم المشابهة بين الخالق و المخلوق. فنقول: إن الرجل لم يقل هذا، و إنما مباشرة هجم على الآية و حرّفها عن أصلها و شبهها بما ذكرناه عنه. و إذا سلمنا بذلك، فكان عليه من البداية أن ينظر إلى أية الاستواء على العرش بمنظور الإثبات و التنزيه، المأخوذ من قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} الشورى 11 - ، و بذلك نثبت لله الاستواء كما وصف نفسه بلا تشبيه و لا تمثيل و لا تكييف. و لا نحتاج أبدا إلى تأويله التحريفي للآية التي لم توصله إلا إلى التشبيه و التحريف و عدم الوصول إلى حل صحيح للمشكلة التي توهمها هو و أصحابه.
و ثانيا إن كل كائن حي فالاستواء جائز في حقه و ليس هو مُستحيلا، و لا نقصا و لا عيبا. و كل كائن استواؤه يليق به و تابع لذاته. و عليه فإن
(1) القاضي عبد الجبار: المختصر في أصول الدين، ص: 216 - 217.