فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 218

و هم أيضا قد نقضوا زعمهم هذا، عندما أثبتوا لله صفات هي في المخلوق جوارح و مرتبطة بالجوارح، منها السمع و البصر. فلماذا أثبتوا له ذلك مع أن السمع مرتبط بالأذن و أجهزتها الداخلية، و الثانية مرتبطة بالعين و مكوناتها الداخلية؟؟ فلماذ أثبتوهما لله و لم يقولوا: إنهما جارحتان؟؟. و حتى صفة القدرة، فهي في المخلوق مُرتبطة بالبدن و جوارحه، و نفس الأمر ينطبق على النعمة التي يفعلها الإنسان مثلا. بل و حتى صفة الوجود فهي في المخلوق مرتبطة بالجسم و أعضائه. فلماذا أثبتوا لله كل هذه الصفات و لم يقولوا أنها ترمز للأعضاء و الجوارح مع أنها في المخلوق هي كذلك، لكنهم عندما جاؤوا إلى صفة اليد أوّلوها تأويلا فاسدا بدعوى أنها ترمز للجوارح؟؟!!. فهذا موقف متناقض، و باطل مخالف للشرع و العقل معا.

و ثانيا إن هؤلاء عندما أوّلوا صفة اليد انطلقوا من خلفيتهم المذهبية الاعتزالية، و جعلوا الشرع و العقل من وراء ظهورهم، فأخطؤوا خطأ بينًا في تأويلهم لليدين. لكنهم مع ذلك لم يُبالوا و انتصروا لمذهبهم بالباطل. إنهم خالفوا الشرع و أهملوا نصوصا واضحة تخالف زعمهم، منها قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} المائدة:64 - ، و قول النبي- عليه الصلاة و السلام: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» . [1] . و أخطؤوا في تفسيرهم لآية اليدين بالنعمة، لأن معناها لا يستقيم و لا يصح، فالآية تقول: (( {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص:75] -، و حسب تأويلهم التحريفي تصبح الآية:(لما خلقتُ بنعمتي ) )، و هذا معنى فاسد، لأن الله تعالى لا يخلق بنعمته و لا بنعمتيه، و لا بِنِعَمه!!، و إنما يخلق بإرادته و قدرته و بيديه. فهل هؤلاء لم ينتبهوا إلى هذا التحريف الفاحش للآية، أم أنهم تعمدوا فعله لغاية مذهبية في نفوسهم؟؟!!. بل واضح أنهم تعمدوا فعله!!.

و منها تأويلهم لصفة الاستواء، قالت المعتزلة: (( إن الله استوى على العرش بمعنى استولى ) ) [2] . و قال القاضي عبد الجبار: (( فتأويل قوله تعالى: {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} الأعراف 54 - ، انه استولى واقتدر وملك

(1) مسلم: الصحيح، ج 6 ص: 7.

(2) الأشعري: مقالات الإسلاميين، ج 1 ص: 285.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت