فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 218

فواضح مما ذكرناه أن المعتزلة نفوا رؤية الله تعالى من دون دليل صحيح من الشرع و لا من العقل، و تمسكوا بتأويلات تحريفية لغايات مذهبية في نفوسهم. فجنوا بذلك على العقل الصريح و الوحي الصحيح انتصارا لمذهبيتهم الزائفة.

و النموذج الثالث يتعلق بمتفرقات من تأويلاتهم الفاسدة، منها تأويلهم لصفة اليد. فقال أبو الهذيل العلاف و أبو إسحاق بن يسار النظام أن صفة اليد تعنى النعمة [1] . و أوّل المحسن الجشمي قوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص:75] ، بأن المراد بها النعمة، و نصّ على أنه يجب (( أن تُحمل الآي على ما يجوز عليه تعالى ) ) [2] .

و أقول: أولا إن هؤلاء أوّلوا صفة اليد تأويلا فاسدا من دون أي مُبرر صحيح من الشرع و لا من العقل، و وقعوا في التشبيه مع أنهم فروا منه حسب زعمهم. فهم قد نفوا عن الله تعالى ما وصف به نفسه بأن له يدين، و أوّلوهما بالنعمة. و هذا تشبيه له بالمخلوق الذي له نعمة. فإذا قالوا: أوّلنا ذلك على أساس عدم التشبيه و المماثلة. قلنا: كان عليكم أن تطبقوا هذا على صفة اليد، فالله تعالى بما أنه ليس كمثله شيء في ذاته، فهو ايضا ليس كمثله شيء في صفاته. فتكون يده سبحانه صفة تليق به و تناسبه بلا تشبيه، كصفة السمع التي أثبتناه له مع أن في مخلوقاته من يتصف بها.

و أما إذا قالوا: نحن نفينا عنه اليد لأنها ترمز للأعضاء و الجوارح، و وصفناه بالنعمة لأنها ترمز للمعاني. فنقول: هذا موقف لا يصح، و سببه التشبيه لا التنزيه، و هو خطأ في التنزيه أيضا. لأنه بما أن الله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته، فهذا يستلزم قطعا أن صفاته كلها ليست كصفات مخلوقاته، حتى و إن اشتركت في الاسم. فيد الله لاشك أنها ليست كيد المخلوقات، فهي تابعة لذاته سبحانه. و عليه فلا يصح نفيها بدعوى أنها ترمز للأعضاء و الجوارح فهذا مبرر باطل، مُنطلقه التشبيه لا التنزيه.

(1) الأشعري: مقالات الإسلاميين، ج 1 ص: 245، 248.

(2) الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول، ص: 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت