فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 218

،و رحيم و حكيم، فإنه يشهد أيضا على أن خالقه بديع و جميل، ودود و رحيم. فهذا الرجل و أصحابه يزعمون العقل و العقلانية - و قد شاع بين أكثر الناس أنهم كذلك - لكن الحقيقة أنهم ليسوا في ذلك المستوى أبدا، و ليس لهم من ذلك إلا القليل، و أن الغالب عليهم في أصول مذهبهم التي اختصوا بها مخالفة الشرع الصحيح و العقل الصريح.

و منها أيضا أنه رفض الأخذ بأحاديث الرؤية بدعوى أنها خبر آحاد. و هذا اعتراض مرفوض و لا يصح، لأن خبر الآحاد لا يعني انه لا يصح، و إنما يعني أنه يحتمل الخطأ و الصواب، و بالتحقيق قد تثبت صحته، بل قد يصل إلى درجة الثبوت القطعي [1] . و أحاديث الرؤية هي صحيحة بذاتها من ناحية إسنادها و متنها، لأنها تتفق مع ما نصّ عليه القرآن الكريم، فهي لها قرائن تتقوى بها و تُثبتها. علما بأن هؤلاء المعتزلة متناقضون في موقفهم من خبر الآحاد، فعندما يكون في صالحهم يأخذون به، و إذا لم يكن في صالحهم أوّلوه تأويلا فاسدا، فإن كان واضحا و لم يقدروا على تحريفه بتأويلهم رفضوه بدعوى أنه حديث آحاد [2] . و هذا موقف نفعي انتهازي تحريفي غير مقبول من جهة منهج الاستدلال العلمي الصحيح.

و أما تأويله للرؤية التي وردت في حديث: (( إنكم سترون ربكم ... ) بأنها تعني العلم، فهو تأويل فاسد لا يصح، لأن الحديث صريح في الرؤية من جهة، و تشهد على صحته نصوص كثيرة من جهة أخرى. و الرؤية ليست هي العلم بالتطابق، فشتان بين رؤية الشيء و العلم به فقط. لأن العلم له وسائل كثيرة، منها الرؤية، و اللمس، و الشم، و السمع، و الإحساس الداخلي. و قد نرى الشيء و لا يكفي للعلم به. و لهذا فرّق الله بينهما، فقال سبحانه: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} - سورة التكاثر: 5 - 7 - . و لو وضعنا عبارة العلم مكان الرؤية، فيصبح الحديث هكذا (( إنكم ستعلمون ربكم كما تعلمون هذا القمر لا تضامون في علمه ) ) [3] . فواضح أن الحديث لا يستقيم إذا فسرنا الرؤية الواردة فيه بالرؤية من جهة؛ و لا يكون له معنى واضح، بل يضطرب و يفسد معناه من جهة أخرى.

(1) ليس هنا مجال التوسع في هذا الموضوع، لكن سنتوسع فيه في الفصل الثالث من كتابنا هذا، بحول الله تعالى.

(2) سبق ذكر نماذج من ذلك، و سيأتي ذكر غيرها فيما يأتي من كتابنا هذا.

(3) البخاري: الصحيح، ج 1 ص: 115.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت