النظر بالبصر بالدرجة الأولى. و أما احتمالاته التأويلية التي ذكرها، فهي لايُمكنها أن تُغيّر معنى الآية من جهة، و تبقى مجرد احتمالات شخصية لا دليل على ثبوتها، و لا على رجحانها من جهة أخرى. و لا يُمكنها أن تنفي الرؤية بالبصر الذي دلت عليه الآية، و لا يصح الاعتراض بها لتعطيلها.
و نفس الأمر ينطبق على تأويله الفاسد لقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} المطففين 15 - ، بأنها تعني أنهم محجوبون عن رحمة ربهم. فهي واضحة بأن الكفار لا يرون ربهم، و تتضمن بأن المؤمنين سيرون ربهم. و تأويله بأنهم محجوبون عن رحمة ربهم، هو تحريف للآية، فهي قالت: {عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} ، و لم تقل: عن رحمة ربهم لمحجوبون. فهذا لا يصح لأن كلام الله تعالى مُحكم مُفصل، كل كلمة في مكانها و لا يُمكن أن تُغَيَر بكلمة أخرى. و الفرق واضح بين (عن ربهم) ، و بين (عن رحمته) . فهما لا يُعويضان بعضهما، لأن الرحمة قد تصل إلى المعني من دون أن يرى صاحبها، و من وصلته و رأى صاحبها فهو قد حقق أمرين و ليس أمرا واحدا. و اما اعتراضه على ما نصت عليه الآية بحكاية الجسمية و المكان فقد سبق بيان بطلانها.
و منها أنه- أي عبد الجبار- أنكر على من يُثبت لله صورة، و أنه مما يُشتهى، و كفّر من يقول بهذا. و الحقيقة هي خلاف زعمه هذا، و هو قد أصدر الحكم بالاستحالة و التكفير على هواه و مذهبيته و ليس على أساس من الشرع الصحيح و لا من العقل الصريح. لأنه ليس حراما و لا مستحيلا شرعا و لا عقلا بأن تكون لله صورة تليق به و تناسبه على أساس من التنزيه المُطلق الذي الذي أثبته الوحي الصحيح و قال به العقل الصريح. فكما أن الله تعالى له سمع يليق به بدليل الشرع و العقل، فكذلك له صورة تناسبه حسب ذاته بنفس الدليل. و كما أن الشرع نص على أن الله تعالى يراه المؤمنون يوم القيامة، و أنه سبحانه جميل و أنه أجمل الكائنات [1] . فإن العقل يُثبت ذلك أيضا و يقول به، لأن كل موجود له صورة تليق به حسب ذاته، و إلا فهو غير موجود، لأن المعدوم هو الذي ليست له صورة، بحكم أنه غير موجود. و هذا الكون يشهد بالضرورة على صفات خالقه، فكما هو يشهد على أن خالقه عظيم و قوي
(1) صح الحديث أن النبي- عليه الصلاة و السلام- قال:. قال «إن الله جميل يحب الجمال» . مسلم: الصحيح، ج 1 ص: 65. فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل». مسلم: الصحيح، ج 1 ص: 112.