مَّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِك فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا الإسراء 58 - ، عبّر عن أهل القرية بالقرية، فالنتيجة واحدة هي هلاك أهل القرية، كقوله سبحانه: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} - سورة يونس:13 - . فالقرون كزمن لا تَظلِم و لا تُعاقب حتى يهلكها الله تعالى، لكنها تعبير مجازي حمل معنى حقيقيا، تمثل في إهلاك الأمم و الشعوب التي كفرت و أفسدت في الأرض فأهلكها الله تعالى.
و من ذلك أيضا قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} يوسف 82 - ،و {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا} الكهف 59 - ،و {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} الكهف 77 - . و من الحديث النبوي قول النبي- عليه الصلاة و السلام-: (واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ) ) [1] . هذه النصوص تحمل حقائق قطعية بطريقة مجازية، و لا تحمل تعبيرات مجازية جوفاء بلا معانٍ حقيقية؛ و إنما هي عبرت عن الحقائق بأسلوب غير مباشر. فهو أسلوب من أساليب التعبير في اللغة العربية، و ليس مقابلا للحقيقة و ليس مناقضا للتعبير المباشر، و لا نافيا له، و إنما هما وجهان يُعبران عن الحقيقة الواحدة، و يحملان نفس المعى، و قرائن الموضوع و طبيعته هي التي تحدد المقصود.
و ثالثا إن قوله: (( فهلا تأولوا قوله تعالى: {وَجَاء رَبُّكَ} الفجر 22 - على أن المراد به جاء أمر ربك، أوليس قد تأولوا قوله: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ} المائدة 33 - على مثل ذلك، و تأولوا قوله: {فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ} النحل 26 - على أن المراد به غيره، فكذلك سائر ما نذكره ) ) [2] . فهو قول لا يصح، لأن التفسير الصحيح ينطلق من الآية نفسها و من النصوص الأخرى و من القرائن التي تحف بها. فقوله تعالى: {وَجَاء رَبُّكَ} الفجر 22 - ، صريح بأن الآية تتكلم عن مجيء الله تعالى على أنه مجيء ليس كمثله مجيء، بحكم أن الله تعالي ليس كمثله شيء و هو السميع البصير. و لا توجد أية قرينة في الآية و من النصوص الآخرى و لا من العقل الصريح يجعلنا نصرف الآية عن معناها الواضح
(1) البخاري: الصحيح، ج 4 ص: 22.
(2) أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار، و الحاكم الجشمي: فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة،، ص: 152.