و الشاهد الأخير - الثالث - مضمونه أنه لو كانت آيات الصفات من المتشابه الغامض الذي يحتمل أكثر من معنى، أو كانت كما زعم المعتزلة من المجاز المقابل للحقيقة، لاختلف الصحابة في تفسيرها كما اختلفوا في تفسير كثير من آيات الأحكام، لكن الثابت أنهم (( لم يتنازعوا في تأويل آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد بل اتفقت كلمتهم وكلمة التابعين بعدهم على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها، وهذا يدل على أنها أعظم النوعين بيانا ) ) [1] . فهذا هو الصواب في موضوع المُتشابه في القرآن الكريم، و ليس ما أراد أن يُوهمنا به أبو علي الجُبائي المعتزلي المتلاعب بالقرآن.
و ثانيا ففيما يخص المجاز، فقد حرّف المعتزلة معناه عندما جعلوه مقابلا للحقيقة، و تدخلوا في تحديد مفهومه، و فصّلوه على مقاسهم [2] . مع أن الصحيح هو أن المجاز لا يعني نفي الحقيقة، و إنما يعني التعبير عنها بلفظ غير مباشر، كقولنا للشجاع: هذا أسد، و للمكار: هذا ثعلب.
و بناءً على ذلك فإن آيات الصفات مجازها ليس في نفي معانيها، فهذا أمر ثابت لا شك فيه بأنه لا يصح، و إنما مجازها في إطلاق أسماء عليها كما تُطلق على بعض صفات البشر. كقولنا: الإنسان عالم، ومُتكلم، و سميع، و بصير. و قولنا: الله تعالى عالم، و مُتكلم، و سميع، و بصير. فالمجاز هنا ليس في نفي معاني الصفات، و إنما المجاز هنا هو في إطلاق نفس أسماء تلك الصفات على الخالق و المخلوق. لكن معاني صفات كل من الخالق و المخلوق مُتباينة تماما، فلا تشابه و لا تماثل فيما بينها من جهة معانيها، لكنها اشتركت في أسمائها. فهذا هو المجاز الموجدود في تلك الأمثلة، فهو مجاز لا يعني التأويل الفاسد، و لا يعني نفي الصفات و معانيها كما أراد أن يُوهمنا به القاضي عبد الجبار.
علمًا بأن معنى المجاز لابد أن يُؤخذ أولا من أول مصدر قطعي للغة العربية و هو القرآن الكريم، ثم من صحيح الحديث النبوي، ثم من تفسيرات الصحابة، و بما صح من تفسيرات التابعين و أهل اللغة. و كل ما خالف المعنى الذي حدده الشرع فهو باطل. و عليه فإن الآيات التي زعم الرجل أنها تُعبر عن المجاز فهي عبّرت عن المجاز الصحيح، و لم تُعبر عن المجاز الفاسد الذي ينف المعني المقصود. فقوله تعالى: وَإِن
(1) ابن قيم الجوزية: الصواعق المرسلة على الجهمية و المعطلة، ج 1 ص: 24.
(2) القاضي عبد الجبار المعتزلي: المغني في أبواب التوحيد و العدل: الفرق غير الإسلامية، محمود محمد قاسم،، ص: 188 و ما بعده.