فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 218

النور و إله الظلام [1] ، لا يُرد بنفي الصفات الإلهية، و إنما يُرد بأدلة التوحيد، التي تُثبت وحدانية الله تعالى. و الصفات سبق أن بينا أنها ليست ذاتا، و لا هي تنفك عن ذاتها، و هي تابعة لذاتها من ناحية طبيعتها. و واصل بن عطاء قد خالف الشرع و العقل صراحة في نفيه للصفات الإلهية. لأن الوحي أثبت الصفات في نصوص كثيرة جدا، و العقل يحكم بأنه لا كائن دون صفات تابعة لذاته، و الذي لا صفات له هو المعدوم لا الموجود.

و أما الاعتراض الثاني فمفاده أنه ربما يقول بعض أهل العلم: إن المعتزلة نفوا اتصاف الله تعالى بصفات حقيقية أزلية لكي لا يُؤدي ذلك إلى القول بتعدد القدماء. و هذا هو الذي وقع فيه النصارى، فهم كفروا لأنهم أثبتوا أكثر من أزلي واحد.

و أقول: هذا اعتراض لا يصح لأن الصفات تابعة للذات، و لا وجود للصفات دون الذات، و لا ذات دون صفات. و عليه فإذا كانت الذات أزلية فصفاتها تابعة لها و هي أزلية أيضا و ليست ذاتا. و إذا كانت الذات مخلوقة فصفاتها تابعة لها و هي مخلوقة و ليست ذاتا. و بهذا يسقط اعتراضهم. و أما فيما يخص النصارى، فهم لم يثبتوا ثلاثة صفات، وإنما أثبتوا ثلاث ذوات منفصلة، و كل ذات هي إله بذاتها. و هذا ثابت بدليل القرآن الكريم، و مواقف المفسرين، و اعتراف النصارى أنفسهم.

فمن الناحية الشرعية فقد ذكر الله تعالى النصارى في قولهم بالتثليث بأنهم قالوا اتخذ الله ولدا، و أنه ثالث ثلاثة، بمعنى أنهم ثلاث ذوات، و لم يذكر أنهم أثبتوا لله ثلاث صفات أزلية. و الشاهد على ذلك قوله سبحانه: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلًا} النساء 171 - ، و {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} المائدة 73 - .

(1) أنظر مثلا: الموسوعة العربية العالمية، النسخة الإلكترونية، 2004، مادة: المانوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت