فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 218

تتصف بها الذات الإلهية. لكنهم مع هذا لم يمنعهم موقفهم من البحث في بعض الصفات [1] .

و اضح من ذلك أن فَهْم هؤلاء لموقف المعتزلة من الصفات، بأنهم نفوها، هو الذي فهمناه نحن منه و أشرنا إليه. فهو فهم صحيح، مبني على الجمع بين أقوال المعتزلة المتناقضة ظاهريا بين النفي و الإثبات من جهة. و المنسجمة في حقيقتها و القائمة على نفي حقيقة الصفات و مضموهنها من جهة أخرى. فهم أثبتوا أسماء جوفاء بلا معانٍ تضليلا و تلبيسا، و تلاعبا بالشرع و تحريفا له، و افتراءً على العقل و الناس معا.

و أخيرا - رابعا - إنه بناءً على ما قررناه يتبين أن الباحث سليمان الشواشي هو الذي أخطأ في موقفه من رأي المعتزلة من الصفات و ليس أهل السنة. فالرجل إما أنه لم يركز على قول واصل بن عطاء- الذي ذكره الشهرستاني- و لا فهمه فهما صحيحا، و إنما نظر إليه من أقوال المعتزلة التي تظاهروا بها بأنهم يُثبتون بعض الصفات. و إما أنه لم يجمع بين أقوال المعتزلة المتناقضة ظاهريا، لكي يصل إلى الموقف الحقيقي للمعتزلة من الصفات الإلهية. و إما أنه قال ذلك القول انتصارا للمعتزلة لغاية مذهبيه في نفسه.

و يُوضح ذلك أن قول واصل ابن عطاء شاهد بنفسه أنه يتضمن نفيا للصفات. فهو يقول: (( و من أثبت معنى و صفة قديمة فقد أثبت إلهين ) ). فواصل نفى أن تكون صفات الله لها معانٍ أو أزلية، و هذا يعني أنه نفى اتصاف الله تعالى بصفات حقيقية أزلية كما سبق أن بيناه. و هذا المعنى يتناقض مع تفسير الرجل بأن مقصود واصل بن عطاء هو أن الصفات عين الذات. لأن مقولته هي نفي صريح لإثبات صفات حقيقية لله، فهو يريد إثبات مجرد أسماء بلا مضمون. لكن الباحث هو الذي شرح قوله بأن الصفات عين الذات [2] ، وهذا إثبات للصفات، بأن الله مُتصف بها. فهو قد شرح مقولة واصل بما لم تقله، و لا أرادته.

و أما قوله بأن واصلا أراد بذلك الرد على المانوية و الشيعة الغلاة. فهذا إن صح أن واصلا أراد ذلك، فهو قد أخطأ شرعا و عقلا. لأن الخطأ لا يُرد بالخطأ، و إنما يُرد بالصواب. فقول المانوية بإلهين: إله

(1) ألبير نادر نصري: فلسفة المعتزلة: فلاسفة الإسلام الأسبقين، مطبعة دار نشر الثقافة، الإسكندرية، ج 1 ص: 55.

(2) سبق أن شرحنا هذا المقولة، و بينا حقيقتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت