فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 218

رأي واصل في الصفات هو في الواقع رد على المانوية و على الفرق الشيعية الغالية .. )) [1] .

و أقول: أولا إنه سبق أن ذكرنا أقوالا لكبار متكلمي المعتزلة تضمنت نفيا للصفات الإلهية من جهة، و ذكرنا أخرى صرّحت بإثبات بعض الصفات لله تعالى من جهة أخرى. أذكر منها هنا قولين آخرين: الأول للقاضي عبد الجبار يقول فيه: (( فَعُلم بذلك أنه لابد من قادر مخالف لهذه الأجسام، و نعلمه حيا عالما قديما، كما نعلمه قادرا، و نعلمه سميعا بصيرا مدركا. ) ) [2] . و الثاني للمحسن الجشمي يقول فيه: (( والتوحيد: أن تعرف الله وأنه تعالى قادرٌ عالمٌ حيٌّ سميعٌ بصيرٌ قديمٌ غنيٌ ليس له مثل ولا شبيه، وليس بجسم ولا عرض، ولا مكان له ولا جهة، ولا تجري عليه شيء من الصفات المختصة بالجواهر والأعراض ) ) [3] ... .

فواضح من ذلك أن المعتزلة تناقضوا مع أنفسهم في موقفهم من إثبات الصفات من نفيها تناقضا بينًا. و هذا سبق أن أشرنا إليه و بينا حقيقة موقفهم، عندما جمعوا بين نفيهم للصفات الإلهية، و بين تظاهرهم بإثباتها. و سنزيد موقفهم هذا وضوحا فيما يأتي.

و ثانيا إنه سبق أن بينا أن الفهم الصحيح لأقوال المعتزلة المتعلقة بالصفات يُثبت أنها تتضمن نفيا للصفات لا إثباتا لها. منها قولهم: عالم بلا علم، و قادر بلا قدرة. و قولهم: إن الصفات التي قالوا بها هي صفات بلا معانٍ. بمعنى أنهم يُثبتون صفات جوفاء لا تُعبر عن معنى حقيقي. فهي صفة تعبر عن اسم بلا مضمون.

و الثالث قولهم بأنهم لا يُثبتون لله صفات أزلية، و إنكارهم على من يُثبتها. و بما أن الله تعالى أزلي لا أول له و لا آخر، و المعتزلة نفوا اتصافه بالصفات الكمال الأزلية التي تليق به و تناسبه، فهذا يعني أنهم ينفون عن الله صفاته الحقيقة ولا يُثبتونها له. و قولهم هذا مع أنه مخالف للشرع و العقل، فهو أيضا من حماقاتهم و هذيانهم، و ضلالهم و تلبيسهم.

(1) سليمان الشواشي: واصل بن عطاء و آراؤه الكلامية، الدار العربية للكتاب، ليبيا، 1993، ص: 153.

(2) أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار، و الحاكم الجشمي: فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة، حققه فؤاد سيد ن الدار التونسية للنشر، ص: 140.

(3) المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول، ص: 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت