و هذا شاهد على صحة قول أهل السنة بأن المعتزلة نفوا الصفات، لأنهم نفوا الصفات و قالوا بتعدد الذوات حسب كل صفة. و النتيجة هي إثبات ذات لا صفات لها حسب زعمهم، فإن كانت ذاتا لها عدة صفات فهذا صحيح قاله الشرع و العقل و أهل السنة؛ و إن كانت تلك الصفات كل صفة منها تمثل ذاتًا أو ذواتٍ، و لا تمثل صفة و لا صفات ٍ حسب زعمهم، فهذا شرك و قول بتعدد الآلهة.
و خامسا إن قول أبي الهذيل العلاف: هو عالم بعلم هو هو، وهو قادر بقدرة هي هو، ... هو نفسه قول أصحابه: عالم لذاته، و قادر بلا قدرة، و عالم بلا علم، و أن الصفات عين الذات. لأن قوله: عالم بعلم هو هو، يعني أنه عالم بلا علم، وإنما عالم بذاته. فهذه التعابير لها معنى واحد عَبّر بها المعتزلة عن موقفهم من الصفات الإلهية. لكن الأمر الهام الذي يجب أن لا يغيب عنا هو أن قول المعتزلة: إن الله قادر بلا قدرة، و عالم بلا علم؛ هو قول فيه تناقض و تلبيس، و تغليط و سفسطة، و لا يستقيم من جهة معناه و مقصودهم منه. لأن قولهم: قادر بلا قدرة، يعني أنه ليس قادرا، لأن النتيجة (بلا قدرة) نفت المقدمة (قادر) !!. فهو إن كان قادرا فلا بد له من قدرة، و إذا لم تكن له قدرة، فهو ليس قادرا حتمًا!!!. فهو إما قادر، فله قدرة، لأنه لا قادر بلا قدرة. و إما ليست له قدرة، فهو ليس قادرا، لأن من ليست له قدرة ليس قادرا.
و توضيحا لذلك فإن قول المعتزلة: قادر بلا قدرة كلام باطل شرعا و عقلا و واقعا، و ما هو إلا من سفسطاتهم و تلاعبهم بالألفاظ. لأن مقولة المعتزلة: (( قادر بلا قدرة ) )، تعني أساسا كقولنا: (( مُتصف بلا صفات ) )، و صادق بلا صدق، و كاذب بلا كذب و هذا تناقض، و يعني أيضا أن المعتزلة يُثبتون أسماء بلا معانٍ، و هذه سفسطة مكشوفة. فالقادر بلا قدرة يعني أنه ليس قادرا حقيقة، و إن تسمى بذلك. كتسمية الكذاب بالصادق، و قولنا أنه صادق بلا صدق، فهذا يعني أنه كذاب. و قولنا: كاذب بلا كذب، يعنى أنه صادق و ليس بكاذب، لأنه لا كاذب بلا كذب.
و تلك المقولة تتضمن تناقضا، لأن نتيجتها تنفي مقدمتها، فقولنا: قادر بلا قدرة، يعني أنه ليس قادرا، و لو كان قادرا لكان قادرا بقدرة. و قولنا: صادق بلا صدق، يعني أنه ليس صادقا، و لو كان صادقا لكان