لأن انحرافهم المنهجي كان كبيرا و عميقا و خطيرا أفسد عليهم دينهم من جهة، و أورثهم أخطاء كثيرة في مختلف جوانب الدين من جهة أخرى. بحكم أن الانحراف في المنهج يُؤدي إلى كثرة الأخطاء و قلة الصواب؛ و سلامة المنهج تُؤدي إلى كثرة الصواب، و قلة الأخطاء و الانحرافات.
و ثانيا إن أخطاء المعتزلة و انحرافاتهم لم تنحصر فيهم فقط، و إنما انتقل كثير منها إلى غيرهم من الفرق الإسلامية، و إلى رجالات الفكر في العصر الحديث، نجدها واضحة في الشيعة الإمامية، و الخوارج، و الأشاعرة، و العلمانيين المعاصرين. و هذا الأمر يتحمل المعتزلة جانبا منه و لا يصح أن يُمدحوا عليه. فقد صح عن النبي- عليه الصلاة و السلام أنه قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فعُمِل بها بعده كُتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء؛ ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعُمل بها بعده كُتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء» [1] .. فالقوم َصدّروا كثيرا من انحرافاتهم و أخطائهم و أمراضهم إلى غيرهم من الفرق و الأفراد، و هذا يُذمون به و لا يُمدحون عليه.
و ثالثا إن أخطاء المعتزلة و سلبياتهم و انحرافاتهم أكثر من صوابهم و استقامتهم، و عليه فالأصل في مذهبهم هو الانحراف و كثرة الأخطاء و ليس العكس من جهة مذهبهم، و الذم و الانتقاد لهم كأشخاص من جهة أخرى.
و أخيرا -رابعا - فإنه مع ذلك فإن الذي لا شك فيه هو أن المعتزلة من أهل القبلة، و من ثم فهم أحسن من كثير من الفرق المنحرفة المنتسبة إلى أهل القبلة، كالقرامطة، و الإسماعيلية، و الدروز، و النصيرية، و الاثنى عشرية.
و الموقف الثالث يتعلق بمدح المعتزلة لأنفسهم بأنهم أهل التوحيد، و أول من دافع عن الدين، و اتهام غيرهم بالتقاعس و طلب الدنيا. فمن ذلك أن المعتزلي أبا الحسين الخياط قال: (("هل على الأرض أحد رد على الدهريين سوى المعتزلة كإبراهيم النظام، وأبي الهذيل ومعمر، والأسواري وأشباههم؟ وهل عرف أحد صحيح التوحيد واحتج لذلك"
(1) مسلم: الصحيح، ج 8 ص: 61.