فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 218

صارخة، فخالفوا الوحي و العقل معا. فمن ذلك أن العقل يقول: كل موجود له صفات بالضرورة، و إلا ليس بموجود. لكن المعتزلة لم يأخذوا بهذه الحقيقة العقلية، و نفوا الصفات عن الله تعالى. و يقول العقل أيضا: إن كل موجود لابد له من مكان و جهة حسب ذاته و إلا ليس بموجود. لكن هؤلاء لم يلتزموا بهذه القاعدة المنطقية، و نفوا عن الخالق المكان و الجهة!!. و يقول العقل: كل موجود تجوز رؤيته، و ليست مستحيلة في حقه. لكن المعتزلة زعموا أن رؤية الله مستحيلة!! فأنكروا ذلك في حق الله تعالى دون دليل. و يقول العقل: كل كائن الحركة في حقه جائزة، و الحي أولى بالحركة من الميت. لكن هؤلاء أنكروا اتصاف الخالق بالحركة من دون دليل صحيح من الوحي و لا من العقل.

و من ذلك أيضا فقد بينا أن المعتزلة مع تظاهرهم بالاهتمام بالتوحيد إلا أنهم أساؤوا إليه أكثر مما خدموه و التزموا به، و انحرفوا عنه انحرافا كبيرا. لأنهم تقدموا بآرائهم و أهوائهم على الله و رسوله، و لأنهم نفوا عن الله تعالى ما أثبته لنفسه من الصفات، و و وصفوه بصفات لم يصف بها نفسه. كزعمهم بأن معنى استوى يعني استولى. فماذا بقي لهم من التوحيد؟، إنه لم يبق لهم منه إلا القليل الذي صادف أهواءهم و ظنونهم، وضاع منهم معظمه على مستوى توحيد الربوبية و الألوهية معا.

و خامسا فقد تبين بالأدلة الدامغة أنه لا يصح وصف المعتزلة بأنهم عقلانيون احتكموا إلى العقل و أخذوا به، و أنهم مفكرون أحرار، و دعاة الحرية و الاستنارة. فهذا افتراء و تحريف للحقيقة، لأن الغالب على القوم أنهم لم يحتكموا إلى الشرع الصحيح و لا إلى العقل الصريح، و إنما احتكموا أساسا إلى آرائهم و أهوائهم و ظنونهم. و لم يكن عندهم من الوحي و العقل الصريح إلا القليل، بالمقارنة إلى ما كان عندهم من الأخطاء و المخالفات الشرعية، و الانحرافات المنهجية. و ليست العبرة في استخدام العقل وسيلة، فهذه ليست ميزة خاصة بهم، و إنما هي ميزة اختص بها البشر كلهم عامة، و أهل الفكر و العلم منهم خاصة. لأن الإنسان مُفكر بطبعه، و جدلي بفطرته، قال سبحانه: {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} سورة الرحمن: 1 - 4 - ،و {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} الكهف 54 - . و عليه لا يصح مدح المعتزلة على شقشقاتهم و جدلياتهم، فهم في ذلك لا يختلفون عن سفاسطة اليونان و أمثالهم من سفاسطة الأمم الأخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت