فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 218

و بناءً على ذلك فإنه لا يصح تعريف المعتزلة بأنهم فرقة عقلانية. فهذا خطأ فاحش و جسيم، و مخالف للشرع و للعقل، و للعلم. فهو تعريف لا ينطبق عليهم، و فيه مدح لا يستحقونه، و لا هم مُتصفون به. و لهذا وجدنا الله تعالى مدح عباده المؤمنين بأنهم أولي الألباب و العقول النيرة، كقوله سبحانه: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا} الطلاق 10 - ،و {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ} يوسف 111 - ،و {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الرعد 3 - . ثم وجدناه من جهة أخرى ذم الضالين على اختلاف نحلهم، و وصفهم بأنهم كالأنعام لا يعقلون و لا يفهمون، و لا يسمعون، و لا ... ... قال سبحانه: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} الفرقان 44 - ،و {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} الأعراف 179 - . ولاشك أن المعتزلة لهم نصيب مما لهؤلاء الضالين بسبب ما فيهم من انحراف عن الوحي الصحيح و العقل الصريح. و عليه فإن الذي أظهرناه في كتابنا هذا من انحرافات المعتزلة و أباطيلهم، هو دليل قاطع على عدم عقلانيتهم، و أن الغالب عليهم أنهم أهل أهواء و آراء و ظنون، جنوا بها على العقل و الشرع معا.

و أما بالنسبة لموقف المعتزلة من القضاء و القدر، فقد تبين أنه موقف غير صحيح في معضمه، عندما مدحوا أنفسهم بأنهم من دعاة حرية الإنسان و قدرته على الفعل من جهة، و عندما قالوا بخلق الإنسان لأفعاله، و عدم دخول القبيحة منها في قضاء الله و قدرة و مشيئته من جهة ثانية، و عندما لم يُفرّقوا بين إرادة الله الكونية النافذة، و بين إرادته الشرعية المتعلقة بأوامره و نواهيه المتعلقة بحرية الإنسان و اختياره من جهة ثالثة.

ففيما يخص مدحهم لأنفسهم بأنهم من دعاة حرية الإنسان و قدرته على التغيير، فهو أمر ليس خاصا بهم، و لا يصح أن ينسبوه لأنفسهم دون غيرهم. و هم قد ذكروا في كتبهم أن ملوك بني أمية هم الذين نشروا الجبر بين الناس و حَكَموهم به، فأدى هذا إلى ظهور القدرية كرد فعل لذلك [1] . و الحقيقة هي حرية الإنسان و قدرته على الفعل أمر بديهي من بديهيات الشرع و العقل و الواقع، و لا يُمكن أي إنسان أن ينكره بفعله و إن تظاهر أنه ينكره بلسانه. و يُقابله أيضا إثبات الجبر أيضا فهو حقيقة لا

(1) أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار، و الحاكم الجشمي: فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة، ص: 143 و ما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت