و أقول: لم يذكر عبد الجبار لخبره إسنادا و لا حققه، و ذكره بأسلوب الشك و التمريض بقوله: (( حُكي ذلك عن ... ) . و الحقيقة أن زعمه هذا ظاهر البطلان، لأن عمرو بن دينار من كبار أعلام أهل السنة، وثقه أهل الحديث، و شهدوا له بالاستقامة، و لم يذكروا أنه كان معتزليا، و لا عثرت على إشارة تدل على ذلك [1] .و أقواله في أصول الدين موجودة في كتب السنيين، كقوله: (( أدركتُ أصحاب النبي فمن دونهم منذ سبعين سنة يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله منه خرج وإليه يعود ) ) [2] . و قوله: (( أدركتُ تسعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يقولون: من قال القرآن مخلوق فهو كافر ) ) [3] . فلو كان معتزليا ما استشهد به السنيون في كتبهم العقيدية، و لو كان معتزليا ما كفّر القائلين بخلق القرآن، فكيف يُكفّرهم و هو منهم؟؟!!.
و النموذج الأخير- السادس- مضمونه أن القاضي عبد الجبار هجم على بعض أعيان أهل السنة المعروفين بتسننهم فخطفهم و ألحقهم بالمعتزلة تكثيرا لطائفته من دون حق. من ذلك أنه ألحق المفسر مجاهد بن جبر، و سفيان بن عيينة، و الإمام الأوزاعي، و الخليفة عمر بن عبد العزيز بالمعتزلة [4] .
و أقول: إنه لم يذكر لروايته إسنادا، و لا حققها، و لا ذكر شاهدا صحيحا على قوله. فألحق أعيانا من أهل السنة بالمعتزلة من دون أي دليل صحيح إلا الزعم، و الزعم ليس دليلا، و لا يعجز عنه أحد.
و الثابت أن المفسر مجاهد بن جبر (ق:2 هـ) من أهل السنة، و لم أعثر على ما يدل أنه كان من المعتزلة [5] . و أن سفيان ابن عيينة (ق:2 هـ) كان من كبار أهل السنة، و لم يقل بخلق القرآن و لا نفى الصفات، و إنما كان على مذهب السلف في ذلك [6] . فلو كان معتزليا لقال بقولهم في الصفات الإلهية. و نفس الأمر ينطبق على الإمام الأوزاعي (ق:2 هـ) ، فهو من أهل السنة، ولم يكن على مذهب المعتزلة، من ذلك قوله في الصفات: (( نقول: إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته
(1) المزي: تهذيب الكمال، ج 22 ص: 5.
(2) عثمان الدارمي: النقض على المريسي، ط 1، مكتبة الرياض، الرياض، 1998، ص: 573.
(3) هبة الله بن الحسن بن منصور اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة و الجماعة، حققه أحمد حمدان، دار طيبة، الرياض، 1402 هـ، ج 2 ص: 228.
(4) أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار، و الحاكم الجشمي: فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة، ص: 338، 339.
(5) الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 4 ص: 449 و ما بعدها. و ابن حجر: تذيب التهذيب، ج 9 ص: 30 و ما بعدها.
(6) الذهبي: نفس المصدر، ج 8 ص: 466 و ما بعدها.