أطفال المؤمنين يصيرون ترابا. وقال بن قتيبة: كان ثمامة من رقة الدين وتنقيص الإسلام والاستهزاء به، وإرساله لسانه على ما لا يكون على مثله رجل يعرف الله ولا يؤمن به. قال: و من المشهود عنه أنه رأى قوما يتعادون إلى الجمعة لخوفهم فوت الصلاة فقال: انظروا إلى البقر، انظروا إلى الحمر، ثم قال لرجل من إخوانه: انظر ما صنع هذا العربي بالناس. .. )) [1] .
و قد بحثتُ في كتب الجرح و التعديل و التراجم و التواريخ، و الفقه و التفاسير، و الأدب و التصوف فلم أعثر على أي خبر وصف ثمامة بن أشرس بأنه كان قد تفرد بالعبادة. فلو كان كذلك لأشارت إلى حاله تلك المصنفات التي ذكرت أخبارا و مواقف كثيرة تتعلق به. فبما أنها لم تذكر ذلك، بل و ذكرت ما يُناقضه، فهذا شاهد دامغ على أن ثمامة كان إنسانا مُخلطا مُضطربا مُتناقضا في مواقفه، و لم يكن مُتفردا بالعبادة كما وصفه عبد الجبار.
و النموذج الرابع مفاده أن القاضي عبد الجبار ذكر أخبارا تتعلق بسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف تضمنت أمورا رواها و انتصر بها لمذهبه من دون تحقيق، فقال: (( و منهم سعد ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. قال أبو عبد الله الشافعي: عن محمد بن إدريس عن مالك قال: قدم غيلان المدينة؛ فتكلم هو و ربيعة، و حضرهما سعد، و الصلت بن زيد حليف قريش. فلما تفرقوا قَبِل سعد مقالة غيلان، و الصلت مقالة ربيعة. و ذُكر عن أحمد بن حنبل رحمه الله أنه قيل له: مالَك لا تروي عن مالك. قال: سعد خير من مالك، سعد لا يُسأل عنه ) ) [2] .
و أقول: إن الرجل لم يذكر إسنادا لأخباره، و لا حققها. و هي رواية ظاهرة البطلان، بدليل الشواهد الآتية: الأول مضمونه أن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف كان ثقة ديّنا عفيفا، روى عنه أئمة الحديث، و لم يُجرّحوه، و لم يثبت أنه كان يقول بالقدر، و إنما وثقوه [3] . و لو كان قدريا لذكر أهل الحديث بأنه كان قدريا.
و الشاهد الثاني مفاده أن قول الرواية: أنه قيل لأحمد (( مالَك لا تروي عن مالك ) )هو دليل قاطع على بطلان الرواية. لأن أحمد بن حنبل لم
(1) ج 2، ص: 83.
(2) أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار، و الحاكم الجشمي: فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة، ص: 334.
(3) ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج 2 ص: 299، 300.