فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 218

و قد بحثتُ عن تلك العبادات التي نسبها الجاحظ إلى عمرو بن عبيد فلم أعثر لها على ذكر، و لا على أثر في كتب التراجم و التواريخ، و الجرح و التعديل، و الفقه و التفسير، و الأدب و التصوف. بل و لم أعثر فيها على خبر ذكر أن عابدا حج أربعين سنة ماشيا، و لا أنه صلى أربعين سنة الفجر بوضوء المغرب. فلو حدث ذلك فإنه من الأحرى و الأولى أن يُروى و تذكره كتب الزهد أولى من أن تروي أخبارا أخرى، لأن النفوس مولعة برواية غرائب الأخبار و نوادرها.

و النموذج الثالث يتعلق بالمعتزلي ثمامة بن أشرس (ق:3 هـ) ، وصفه القاضي عبد الجبار بقوله: (( و ثمامة كان قد تفرّد بالعبادة ) ) [1] (( و له مذاهب لم تنتشر لقلة اختلاطه بالعامة، و لِما توفر في خدمة الخلفاء صار يُوجد في كلامه بعض الهزل، مما لا تأويل له، ليجعله طريقا إلى ميلهم إليه، يُوصله إلى المعونة في الدين ) ) [2] .

و أقول: إن الرجل لم يذكر إسنادا لخبره، و لا حققه من جهة، وبالغ في مدح ثمامة بن أشرس، ثم غمزه من جهة أخرى. و هذا شاهد ضده على أن الرجل لم يكن كما وصفه (( كان قد تفرّد بالعبادة ) ) [3] . فلا يُمكن أن يكون ثمامة قد تفرد بالعبادة ثم هو قد عاش مدة طويلة في قصر الخليفتين الرشيد و المأمون مخالطا لهما و لرجال الدولة!!. نعم إنه يبدو أن الرجل تفرد بالعيش في قصور الخلفاء، و ليس بالعبادة كما زعم القاضي عبد الجبار. فأين النقد و التمحيص و التثبت من الأخبار؟؟!.

و القاضي عبد الجبار قد غمز صاحبه ثمامة بن أشرس لكنه لم يُفصل ذلك، و حاول تبرير علاقته بالسلطان. و الأمر الخفي من حال هذا الرجل خطير جدا، على ما ذكرته الأخبار من أحواله. من ذلك أنقل هنا طرفا من ترجمته كما أوردها الحافظ ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان. فقال: (( ثمامة بن أشرس أبو معن النميري البصري، من كبار المعتزلة ومن رؤوس الضلالة. كان له اتصال بالرشيد ثم بالمأمون وكان ذا نوادر وملح. وقال بن حزم: كان ثمامة يقول: إن العالم فعل الله بطباعه، وأن المقلدين من أهل الكتاب وعباد الأصنام لا يدخلون النار بل يصيرون ترابا. و أن من مات مصرا على كبيرة خُلد في النار. و أن

(1) أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار، و الحاكم الجشمي: فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة، ص: 274.

(2) نفسه، ص: 274.

(3) نفسه، ص: 274.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت