فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 218

بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: عمرو بن عبيد سمع الحسن (البصري) ، وأنا أستغفر الله إن كان سمع الحسن )) [1] .

و النموذج الثاني يتضمن أخبارا نقلها القاضي عبد الجبار عن الجاحظ تتعلق باجتهاد شيخ المعتزلة عمرو بن عبيد في العبادات. فقال: (( و حُكي عن الجاحظ: أنه صلى أربعين عاما الفجر بوضوء المغرب، وحج أربعين حجة ماشيا، و بعيره موقوف على من أحصر، و كان يحي الليل بركعة واحدة، و ترجيع آية واحدة. ) ) [2] .

و أقول: إن الرجل لم يذكر إسناده عمن حكى عن الجاحظ، و لا ذكر الإسناد بين الجاحظ و عمرو بن عبيد لأن الجاحظ مُتأخر عن عمرو بن عبيد. و هو قد ذكر الخبر بأسلوب الشك و التمريض، و حتى الذي حكى عن الجاحظ لم يُصرّح بالسماع منه، و إنما عنعن عنه، و هذا يحتمل السماع و عدمه.

و كما أنه لم يذكر إسنادا للخبر، فإنه لم يُحقق المتن و لا شكك فيه، مع أن ما نسبه إليه فيه غلو، و ليس من سنة نبينا-عليه الصلاة و السلام- لقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} المزمل 20 - . و ذلك لا يصدق في حق عمرو بن عبيد. فهل يُعقل أنه لا ينام أربعين سنة لأنه حسب الرواية كان يصلي الفجر بوضوء المغرب طيلة هذه المدة. مع أنه كان كثير الحركة في النهار، فكان يُناظر، و يحضر مجالس السلطان. و حج أربعين سنة ماشيا. فمتى ينام هذا الرجل؟ ّّ!، و هل يستطيع أن يقوم بكل ذلك؟،و من أين كان يكسب قوته و قوت أهله طيلة أربعة عقود من الزمن؟!.

(1) ابن عدي: الكامل في الضعفاء، دار الفكر، بيروت، 1988، ج 6 ص: 101.

(2) أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار، و الحاكم الجشمي: فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة، ص: 243.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت