فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 218

يكن يهمهم هذا، بقدر ما كان يهمهم استخدامهم للحديث انتصارا لمذهبهم، و ردا على مخالفيهم، حتى و إن كان الحديث ليس صحيحا!!. و هذا موقف نفعي لا يصح شرعا و لا عقلا، و هو انحراف كبير عن منهج النقد و الاستدلال.

(ب) نماذج من تعامل المعتزلة مع الأخبار من جهة تحقيقها:

يتضمن هذا المطلب طائفة من الروايات التاريخية أوردها بعض علماء المعتزلة في مصنفاتهم، تتعلق برجال مذهبهم. فما هو موقفهم منها؟، و هل حققوها، أم أخذوا بها دون تحقيق؟. هذا ما سيتبين من خلال النماذج الآتية:

أولها يتضمن أقوالا لسفيان بن عيينة (ت 198 هـ) في مدح شيخ المعتزلة عمرو بن عبيد و الثناء عليه. ذكرها القاضي عبد الجبار، بقوله: (( فقد ذُكر في كتاب المصابيح، عن سفيان بن عيينة أنه قال: لم تر عيني مثل عمرو بن عبيد. و روي عن ابن عيينة أنه قال: ما رأيت مثل عمرو بن عبيد، قد كنا ليلة عند المنصور، فقمنا و تركناهما يتحدثان، فاسمع أبا جعفر المنصور يقول لعمرو: ناولني تلك الدواة لشيء اكتبه، فقال: لا أفعل. قال: ولم؟ قال: أخاف أن تكتب بقتل مسلم أو أخذ ماله، فقال أبو جعفر: قطعت و الله الأعناق، اتبعت و الله من بعدك، لله درك يا أبا عثمان. ثم صاح بالربيع، فناوله الدواة و خرج عمرو فكتب ما أراد، ثم قال: أما سمعت ما قال لي هذا الشيخ؟ قلت: نعم، قال: انك إذا فقدت هذا الشيخ لم تر مثله أبدا. و عن ابن عيينة قال: حضرنا مجلس عمرو بن عبيد في المسجد الحرام، و سأله رجل عن مسألة، فأجاب فيها، فقال له الرجل: يا قدري. فقام إليه سفيان الثوري بنعله ثم قال: يا عدو الله أتستقبل الرجل الصالح في وجهه ) ) [1] .

و أقول: يتبين من ذلك أن عبد الجبار لم يذكر لأخباره أسانيد، و لا حققها. و قد بحثتُ في كتب الجرح و التعديل، و التراجم و التواريخ، و الفقه و التفاسير، و غيرها من المصنفات فلم أجد لها ذكرا، و لا عثرت لها عن أثر؛ و إنما وجدت رواية عن سفيان بن عيينة فيها قدح في عمرو بن عبيد. فقد روى المحدث المؤرخ ابن عدي الجرجاني (ق: 4 هـ) بإسناده (( حدثنا إسماعيل بن داود بن وردان، ويحيى بن زكريا قالا: أخبرنا محمد

(1) أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار، و الحاكم الجشمي: فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة، ص: 242، 243.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت