فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 218

-صلى الله عليه و سلم - فسقط الإناء من يدي فانكسر، فقلت: الأمر مفروغ منه، فغضب عليه السلام، و قال: إن كان الأمر مفروغا منه فلأي شيء بعثتُ، و لأي شيء بُعثت الأنبياء )) [1] .

و أقول: إن الرجل لم يذكر للحديث إسنادا، ولا حقق متنه، و اكتفى بروايته بأسلوب الشك و التمريض، لكنه من جهة أخرى اعتمد عليه، و استخدمه لتأييد مذهبه في موضوع القضاء و القدر، و إرادة الإنسان. و هذا إخلال منه بمنهج الاستدلال العلمي في مجال الأخبار. و قد بحثتُ عن هذا الحديث فلم اعثر له على ذكر، و لا أثر في كتب الحديث و الرجال، و التراجم و التواريخ، و التفاسير و الفقه، و الأدب و اللغة.

و الحديث السادس- الأخير من أحاديث عبد الجبار-، مضمونه أن النبي- عليه الصلاة و السلام- سُئل عن تفسير"سبحان الله"، فقال:"هو تنزيه الله عن كل شر")) [2] .

يُلاحظ على الرجل أنه لم يذكر للحديث إسنادا، و لا حققه متنا، و إنما اعتمد عليه انتصارا لمذهبه. و هذا إخلال بمنهج الاستدلال في مجال صحة الأخبار من جهة صحتها أو سقمها. و قد بحثتُ عن هذا الحديث في مصنفات الحديث و علم الرجال، و التراجم و التواريخ، و التفاسير و الفقه، فلم أجد له ذكرا و لا عثرتُ له على أثرا.

و أما الحديث الذي ذكره المحسن الجشمي المعتزلي، فمضمونه أن النبي - صلى الله عليه و سلم - قال: (( تفكُّر ساعة خير من عبادة سنة ) ) [3] .

و أقول: إن الرجل لم يذكر للحديث إسنادا، و لا توقف ليتكلم فيه من جهة صحته و ضعفه، و إنما ذكره ليدعم به موقفه و مذهبه، و أهمل تحقيقه. و هذا لا يصح من جهتين: الأولى إنه نسب حديثا إلى النبي- عليه الصلاة و السلام- من دون أن يتحقق منه، و هذا خطأ فاحش و كبير، لأن الدين يجب أن يقوم على اليقين أولا، ثم على الصحيح ثانيا، و لا يقوم على الضعيف. و الجهة الثانية مفادها أن الرجل وجد خبرا فاستخدمه من دون التأكد من صحته، فكيف سمح لنفسه أن يعتمد على خبر لم تثبت صحته؟؟!!.

علمًا بأن هذا الحديث الذي نسبه إلى النبي- عليه الصلاة و السلام- هو حديث موضوع [4] . فلماذا لم يُحققه؟، و لماذا لم يرجع إلى أهل الاختصاص ليسألهم عنه، إن كان هو غير قادر على التحقيق؟!!.

و استنتاجا مما ذكرناه يتبين إن هؤلاء ذكروا أحاديث نبوية بلا أسانيد، و لا حققوا متنوها بأنفسهم، و لا استعانوا بغيرهم لتحقيقها و التأكد من صحتها. لكن هذا لا يعني أن المعتزلة لا يذكرون إلا الأحاديث الضعيفة، و إنما هم يذكرون الصحيح و الضعيف من دون تحقيق انتصارا لمذهبهم. فالجاحظ مثلا ذكر حديثا حسنا في رسالته إلى صاحبه المعتزلي أحمد بن أبي دُؤاد، فقال: (( ... قال رسول ربِّ العالمين وخاتم النبيّين، محمد صلى الله عليه وسلم:"تهادوا تحابوا ) )."

فحث على الهدية وإن كان كراعًا وشيئًا يسيرا )) [5] . و هذا حديث حسن [6] .

و منها حديث ذكره القاضي عبد الجبار بقوله: (( و صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه روى عن ربه"! إني قد حرمت الظلم على نفسي، وجعلته محرمًا بينكم فلا تتظالموا. يا عبادي! إنكم الذين تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب، ولا أبالي؛ فاستغفروني أغفر لكم ) ) [7] . و هذا حديث صحيح رواه البخاري في الأدب المفرد. و نصه: (( عن أبي ذر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم-، عن الله تبارك وتعالى قال:"يا عبادي! إني قد حرمت الظلم على نفسي، وجعلته محرمًا بينكم فلا تظالموا. يا عبادي! إنكم الذين تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب، ولا أبالي؛ فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته؛ فاستطعموني أطعمكم ... ) ) [8] .

لكن الذي يهمنا هنا هو أن المعتزلة لم يكونوا أصحاب منهج لنقد الأخبار، و لا مارسوا النقد الحديثي في استخدامهم للأحاديث النبوية. فلم

(1) نفس المصدر، ص: 142.

(2) أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار، و الحاكم الجشمي: فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة، ص: 146.

(3) المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول، ص: 26.

(4) الشوكاني: الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، ط 2، المكتب الإسلامي، بيروت، 1407، ص: 251.

(5) الجاحظ: رسائل الجاحظ، ج 1 ص: 70.

(6) الألباني: صحيح الأدب المفرد، دار الصديق، 1421 هـ، ص: 235.

(7) أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار، و الحاكم الجشمي: فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة، ص: 141.

(8) الألباني: صحيح الأدب المفرد، ط 1، دار الصديّق، 1421 هجرية، ص: 195.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت