و أما القول المأثور- الذي جعله الرجل حديثا نبويا- فقد رواه الترمذي و لم يرفعه: (( حدثنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان بن عيينة في تفسير حديث عبد الله بن مسعود قال: ما خلق الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي. ) ) [1] .
و الحديث الثاني ذكره عبد الجبار بقوله: (( و روى سيف بن عمر في المغازي عنه عليه السلام أنه قال:"إن الله خلق القرآن عربيا في كلامه" [2] .
و أقول: إن الرجل لم يذكر درجة الحديث، و لا ذكر له إسنادا، و لا حققه سندا و لا متنا. و قد بحثتُ عنه كثيرا في كتب الحديث و شروحه، و في التفاسير و علوم القرآن، و في كتب الرجال و التراجم و التواريخ فلم أعثر له على ذكر بلفظه و لا بمعناه.
و الحديث الثالث ذكره عبد الجبار بقوله: (( فأما أبو حذيفة واصل بن عطاء، فقد رُوي في كتاب المصابيح عن النبي -عليه السلام- أنه قال:"سيكون في أمتي رجل يُقال له واصل يصل بين الحق و الباطل ) ) [3] ."
و أقول: لم يذكر عبد الجبار لهذا الحديث إسنادا، و لا حقق متنه. و قد بحتُ عنه في كتب الحديث و الجرح و التعديل، و التراجم و السير و التواريخ، و التفاسير و كتب الأدب و غيرها فلم أعثر عليه، و لا وجدت له ذكرا، و هذا يعني أننا لا يُمكننا تحقيقه من ناحية الإسناد من جهة، و عدم وعثورنا عليه يكفي وحده لرد الحديث. من دهة أخرى. و حتى إذا فرضنا جدلا أن الحديث صحيح، فهو ليس صريحا بأنه يتكلم عن شيخ المعتزلة واصل بن عطاء، فالحديث ذكر رجلا اسمه واصل و لم يحدده، فمن الجائز أنه يتكلم عن رجل آخر قد يكون معاصرا لشيخ المعتزلة، و قد يظهر قبله، أو سيكون بعده. و قد وُجدت شخصيات كانت معاصرة لابن عطاء هذا، اسمها واصل، منهما: واصل بن حيان الأحدب ألأسدي الكوفي، و واصل بن السائب الرقاشي، و واصل بن عبد الأعلى بن هلال ألأسدي [4] . فعلى أي أساس جعل عبد الجبار ذلك الاسم خاصا بشيخ المعتزلة واصل ابن عطاء؟!، ليس عنده أي دليل صحيح يُثبت ذلك، فأين
(1) الترمذي: السنن، دار إحياء التراث العربي، بيروت، رقم: 2884، ج 5 ص: 161.
(2) القاضي عبد الجبار المعتزلي: المغني في أبواب التوحيد و العدل: خلق القرآن، حققه إبراهيم الأنباري،، ص: 215.
(3) أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار، و الحاكم الجشمي: فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة، ص: 234.
(4) ابن حجر: تقريب التهذيب، ج 3 ص: 55.