فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 218

سبعة أحاديث كنماذج من باب التمثيل لا الحصر، تكشف عن منهجهم في نقد الأحاديث النبوية. منها ستة أحاديث ذكرها القاضي عبد الجبار، و واحد ذكره المُحسن الجشمي.

فبالنسبة لأحاديث عبد الجبار فأولها قوله: (( و رُوي عن رسول الله - صلى الله عليه و سلم- أنه قال:"كان الله و لا شيء، ثم خلق الذكر، و ما خلق الله من سماء و لا أرض أعظم من آية الكرسي") ) [1] .

و أقول: إن الرجل استشهد بحديث نسبه إلى النبي-عليه الصلاة و السلام- من دون أن يُحققه إسنادا و لا متنا، و لا أشار إلى حاله من جهة الصحة و لا الضعف، لكن بما أنه استشهد به تأييدا لمذهبه، فهذا يعني أنه مال إلى أنه صحيح، و إن كان قد ذكره بلفظ التضعيف و التمريض لا التأكيد و التثبيت، فقال: (( و رُوي عن رسول الله - صلى الله عليه و سلم- أنه قال: ... ) ). لكن هذا لا يكفي فكان عليه أن يحققه فإما أن يُضعفه، و إما أن يُصححه.

و واضح من الحديث الذي ذكره أنه لم يكن مهتما بالحديث من جهة صحته و ضعفه، و إنما كان همه الاحتجاج به لمذهبه، بكل ما يستطيع، حتى و إن كان ضعيفا، أو أنه كان جاهلا بمنهج نقد الخبر عند المحدثين. لهذا لم يهتم بالحديث من جهة صحته أو بطلانه. و الشاهد الدامغ على هذا هو أن الحديث الذي أورده ليس حديثا، و إنما تضمن جزءًا من حديث، و قولا مأثورا عن الصحابي عبد الله بن مسعود، و عبارة زائدة ليست صحيحة. ففيما يخص الجزء من الحديث كما رواه عبد الجبار فهو (( كان الله و لا شيء ) ). هذا الجزء هو جزء من حديث صحيح، و ليس جزءًا من الحديث الذي أورده الرجل. و الحديث بكامله كما رواه البخاري: (( كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء .. ) ) [2] . واضح منه أنه لم يتضمن العبارة الزائدة التي أشرنا إليها، و هي (( ثم خلق الذِكر ) )التي وردت هكذا عند عبد الجبار: (( (( كان الله و لا شيء، ثم خلق الذِكر ) )، و إنما تضمن العبارة الصحيحة: (( و كتب في الذكر كل شيء ) ).

(1) القاضي عبد الجبار المعتزلي: المغني في أبواب التوحيد و العدل: خلق القرآن، حققه إبراهيم الأنباري،، ص: 215.

(2) البخاري: الصحيح، ج 4 ص: 106، ج 9 ص: 124.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت