و أقول: قوله هذا غير صحيح في معظمه، و ليس فيه من الصواب إلا القليل، و قد سبق و أن بينا بالأدلة الدامغة أن المعتزلة خالفوا الشرع و العقل في معظم أصولهم. و أنهم بنوها على الظنون و الأهواء، و على التغليط و التدليس. بل إنهم بنوا بعضها على المستحيلات و إنكار البديهيات. هذا إلى جانب ممارستهم للتحريف و الإغفال و الانتقاء في تعاملهم مع النصوص الشرعية. و كل هذا الذي أشرنا إليه و غيره سبق أن وثقناه و بينا تهافته شرعا و عقلا فلا نعيده هنا.
و الزعم الثاني مفاده أن المعتزلي محمد بن يزداد الأصبهاني زعم أن من خصائص مذهب الاعتزال و أهله أن المعتزلة أنهم (( هم المقتصدة، فاعتزلت الإفراط و التقصير، و سلكت طريق الأدلة، وذكر أن المعتزلة الأولى هم أصحاب محمد صلى الله عليه، لأنهم كانوا يدا واحدة يتولى بعضهم بعضا، و اتفقوا على هذه الأصول ) ) [1] .
و أقول: كلامه غير صحيح كله تقريبا، و هو زعم و ليس دليلا، و الزعم لا يعجز عنه أحد، و لا عبرة في المزاعم الجوفاء. و قد سبق أن بينا بالأدلة الدامغة أن المعتزلة غلاة مُتطرفون، و ليسوا مقتصدة في الشرع و لا في العقل. من ذلك أنهم نفوا الصفات الإلهية، و أقاموا موقفهم فيها على التناقض و المستحيلات، و ألّهوا آراءهم و أهواءهم باسم العقل، و قدموها على الشرع الصحيح، و العقل الصريح منهم بريء. إنهم كذبوا على الشرع و العقل معا، و ليس عندهم منهما إلا القليل. لأن انحرافهم المنهجي في الفهم و البحث و الاستدلال أوردهم المهالك، تجلت في كثرة أخطائهم و انحرافاتهم المنهجية، مقابل قلة صوابهم.
و اما زعمهم بأنهم أصحاب الأدلة و الشرع و العقل، فهذا مجرد زعم و ليس حقيقة، و كل الفرق تدعي لنفسها ذلك، و ليس هذا خاصا بالمعتزلة. و الحَكَم هنا هو الشرع الصحيح و العقل الصريح، و العلم الصحيح، و ليست المزاعم ولا المذاهب هي الحَكَم؛ و نحن قد سبق أن بينا بطلان معظم أصول المعتزلة و مخالفتها للشرع و العقل معا.
(1) نفس المصدر، ص: - 165.