معصوم من الله تعالى و موجه منه، فإذا ما صدرت عنه أخطاء اجتهادية تدخل الوحي و صوّبه و قوّمه، و لا يُقره على خطأ إما عن طريق تدخل الوحي مباشرة، و إما عن طريق تذكير الصحابة له، فيتحقق الهدف من أن النبي-عليه الصلاة و السلام- لا يقٌره الله تعالى على خطأ. فهذا هو الصواب، و ليس قول المعتزلة الذي بينا أنه مخالف للشرع و الحوادث التاريخية الصحيحة، لأنهم أقاموه على مذهبيتهم و أهوائهم، و لم يُقيموه على حقائق الوحي و التاريخ، و الله تعالى أعلم بالصواب.
و النموذج الأخير- الحادي عشر- يتعلق بخطأ المعتزلة في موقفهم من أفعال العباد، فهم خالفوا الشرع و العقل و الواقع عندما قالوا بأن الإنسان خالق أفعاله، كما سبق أن بيناه في الفصل الثاني. لكنهم من جهة أخرى ظهر فيهم من خالفهم في موقفهم هذا، باتخاذ موقف آخر غير صحيح أيضا، فكان ثمامة بن أشرس المعتزلي يقول: (( و أنه لا فعل للعباد إلا الإرادة. و سوى ذلك لا يُنسب إلى فاعل، بل هو حدث لا مُحدث له في الحقيقة ) ). و وافقه على ذلك أبو عثمان الجاحظ بأنه (( لا فعل للعباد على الحقيقة إلا الإرادة ) ).و أن (( سائر الأفعال أنها تُنسب إلى العباد على أنها وقعت منهم طباعا ) ) [1] . فهذا زعم باطل، قابل به ثُمامة و الجاحظ باطل معظم أصحابهم في قولهم بخلق العباد لأفعالهم. فالطرفان على خطأ، و كل منهما خالف الشرع و العقل و الواقع في موقفه. أليس من التحريف و التغليط و التلبيس القول بأنه ليس للإنسان فعل على الحقيقة إلا الإرادة؟؟!!. فمن الذي عمّرّ الأرض و أقام الحضارات قديما و حديثا؟؟، أليس الإنسان هو الذي فعل ذلك، و هل كان في مقدوره القيام بذلك لو لم يكن مريدا مختارا فاعلا مؤثرا على الحقيقة في الطبيعة؟؟!!. و هذا يعني بالضرورة أن ثمامة و الجاحظ تعمدا إنكار الحقائق الثابتة الملموسة و المحسوسة لغايات في نفسيهما!!.
و قبل إنهاء هذا المبحث أذكر هنا ثلاثة مزاعم معتزلية تتعلق بمنهج الفهم و الاستدلال عند المعتزلة، ثم نرد عليهم فيها. الأول مضمونه أن القاضي عبد الجبار قال: (( فمن فكر في الأسانيد، علم أن طريقة المعتزلة في ذلك أقوى، لو كان طريق علمهم التقليد، فكيف وطريقهم في ذلك الأدلة القاطعة، و قد بينوها بحجج العقل و الكتاب و السنة و الإجماع ) ) [2] .
(1) أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار، و الحاكم الجشمي: فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة، ص: 73.
(2) نفس المصدر، ص: - 164.