فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 218

و النموذج العاشر يتعلق بمفهوم عصمة النبي عند المعتزلة، و فيه يقول المحسن الجشمي: (( ويُعلم أنه لا يرتكب كفرًا وفسقًا وما ينفر من صغيرة أو مباحٍ، ويُعلم أنه كان معصومًا قبل البعثة ) ) [1] . و (( قد بيّنا أن من صفة الرسول أن يكون معصومًا قبل البعثة وبعدها، ولا تجوز عليه الكبائر والمنفرات، ولا يجوز فيما يؤدي إلى الغلط والنسيان ) ) [2] .

و أقول: كلامه هذا فيه حق و باطل، فلا شك أن النبي مُنزه عن الكفر، و عن الكبائر و التعمد في فعل المعاصي. لكن النبي جائز في حقه الخطأ و النسيان، و فعل الصغائر قبل نبوته و بعدها، لكن الوحي يتدخل لإرجاعه إلى الصواب في المواضع التي يُخطئ فيها و لا يُقره على خطأ أبدا. فعصمة النبي ليست ذاتية داخلية قهرية بحيث تجعل النبي مجبورا على الاستقامة فلا يستطيع المُخالفة أبدا من جهة الإمكان، و إنما هو بشر يبقى عرضة للخطأ و النسيان، و الوقوع في الصغائر، لكن الوحي هو الراعي و العاصم له يتدخل عندما يتطلب التدخل لتصويب سلوكه. و كلامنا هذا لم نقله من رغباتنا و ظنوننا و خلفياتنا المذهبية كما فعل المعتزلة و أمثالهم، و إنما أخذناه من الشرع، و قد دلت عليه نصوص شرعية كثيرة. منها أن أبانا آدم - عليه السلام - صدرت عنه أخطاء فعاتبه الله تعالى عليها، كقوله سبحانه: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} طه 121 - ، و {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} طه 115 - . و منها ما فعله النبي يُونس -عليه السلام -، قال سبحانه: {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} الأنبياء 87 - .

و منها قتل النبي - موسى- لأحد المصريين، و اعترافه بذنبه و استغفاره لله و غفرانه، قال سبحانه: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} القصص 15 - 16 - . و منها طلب موسى من الله رؤيته، فلم يستجيب الله له، فلو كان معصوما من ذاته ما أخطأ في طلبه. قال سبحانه: وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ

(1) المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول، ص: 128.

(2) نفس المصدر، ص: 130.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت