فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 218

: كل مُجتهد مُصيب. لأن هذا النوع من الاجتهاد قائم على النفي أو الإثبات، كقولنا: موجود أم غير موجود، حرام أم حلال، خطأ أو صواب. و أما النوع الثاني من الاجتهادات، فهو يقوم على اختلاف التنوع الذي يحتمل عدة أوجه من دون تناقضها، و في هذه الحالة يكون كل مُجتهد له نصيب من الصواب بقدر قوة اجتهاده.

و النموذج التاسع مضمونه أن المؤرخ ابن الجوزي ذكر أن عمرو بن عبيد كان يقول: إن كانت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} المسد 1 - ، فما على أبي لهب من لوم )) [1] . و في رواية الذهبي: (( و قال معاذ بن معاذ: سمعت عمرًا يقول: إن كانت تبت يدا أبي لهب في اللوح المحفوظ فمالله على ابن آدم حجة ) ) [2] .

و أقول: هذا نموذج لسوء فهم المعتزلة للشرع و لموضوع قضاء الله و إرادته و مشيئته، و قد سبق أن توسعنا في هذا الموضوع و بينا خطأ المعتزلة في موقفهم منه، و ذكرنا الصواب المُؤيد بالشرع و العقل معا، فلا نعيده هنا. لكن الذي يهمنا منه هنا هو أن شيخ المعتزلة عمرو بن عبيد و أصحابه يفتقدون إلى المنهج الصحيح في مجال الفهم و الاستدلال المتعلقين بالشرع و العقل و العلم عامة. لأن اعتراض عمرو بن عُبيد على القرآن الكريم، هو اعتراض باطل، و فيه جهل و غرور، و رعونة نفس؛ لأن سبق العلم الإلهي بما سيفعله أبو لهب و غيره من الناس لا يعني جبرا و لا قهرا، و لا ظلما، و إنما هو من كمال العلم الإلهي بحكم أنه سبحانه علام الغيوب، فهو انكشاف لا جبر فيه و لا قهر. و لا يصح أبدا أن يكون الإله جاهلا بما سيحدث قبل أن يخلق. و من ينفي عنه هذا فقد سواه بالإنسان الذي لا يعلم إلا أثناء حدوث الأمر و بعده، بل قد يستطيع أن يتنبأ بأمر ما و يحدث كما تنبأ به، فما بالك بالله تعالى؟؟!!. فهو سبحانه أولى أن يكون عالما بما يكون و ما سيكون، و علمه مُطلق لا احتمال فيه ولا تنبؤ. لكن هذا الرجل اعترض على خالقه بجهله و غروره و سوء فهمه، بسبب انحرافه المنهجي القائم على خلفيته الاعتزالية الزائفة، التي أفسدت عليه فكره و منهجه و سلوكه.

(1) ابن الجوزي: المنتظم، ج 8، ص: 44.

(2) الذهبي: تاريخ الإسلام، ج 9 ص: 238.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت