فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 218

الاعتزالي، و ليس انطلاقا من الشرع نفسه. و هذا انحراف منهجي خطير معروف عن المعتزلة بسبب تقديمهم لآرائهم و أهوائهم على الوحي الصحيح و العقل الصريح.

و النموذج الثامن يتعلق بالاجتهاد و مفاده أن المحسن الجشمي قال: (( فإن قيل: هل يجوز أن تستوي الدلائل في مسألة فيها خلاف؟. قلنا: أما في الأصول فلا؛ لاستحالة أن يكون كلامهما حقًا، فأحدهما يكون حجة والآخر شبهة، كما نقول فيما نفى التشبيه أنه أدلة، وما أثبته فشبهة؛ لاستحالة أن يكون لله تعالى شبهٌ ولا شبه له، وكذلك المكان، وكذلك الرؤية، وجميع مسائل التوحيد، فلهذا أبطلنا قول من قال بتكافؤ الأدلة، وكفّرنا القائلين بها. فأما في فروع الشرع ومسائل الاجتهاد، فعند مشايخنا يجوز أن تستوي، ويكون التعبد لكل واحد بما أدّى اجتهاده إليه ويكون كل مجتهد مصيبًا ) ) [1] .

و أقول: الصواب هو أنه لا يُمكن أن يكون كل مجتهد مُصيبا للحق عندما تختلف اجتهادات المجتهدين في حالة اجتهادات التناقض لا التنوّع، سواء تعلقت بأصول الدين أو بفروعه. ففي حالة الاجتهادات المتناقضة لا يُمكن أن يتعدد الحق، و من ثم لا يكون كل مجتهد مصيبا للحق. و أما في حالة الاجتهادات المتنوعة غير المتناقضة، فيُمكن أن يكون كل مجتهد مُصيب بما أصاب من الصواب الذي عنده. فهذا الذي يُسمى اختلاف التنوّع لا التناقض. و الشاهد على أنه ليس كل مجتهد مُصيب في الفقه و غيره، هو حالة اختلاف التناقض؛ فهو مخالف للشرع و العقل، فأما من الشرع، فمنه قوله تعالى: {فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} يونس 32 - . و قد صح جاء عن النبي- عليه الصلاة و السلام- أنه قال: (( إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران و إذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد ) ) [2] . فهذا الاجتهاد فيه المُخطئ و المُصيب، فالمصيب له أجران لاجتهاده و إصابته للحق، و المُخطئ له أجر واحد على اجتهاده لا على خطئه.

و أما من الناحية العقلية، فإن تصوّر الاجتهادات من نوع اختلاف التناقض يكفي وحده للحكم على عدم صحة و صواب كل الاجتهاد بدعوى

(1) المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول، ص: 24.

(2) الألباني: صحيح و ضعيف الجامع، ج 1 ص: 48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت