و النموذج السابع يتعلق بانحراف المعتزلة منهجيا في تقرير أصول الدين حسب رغباتهم و مذهبيتهم. من ذلك أن المحسن بن كرامة الجشمي المعتزلي (ت: 457 هـ) قال: (( أصول الدين أربعة: علوم التوحيد، وعلوم العدل، وعلوم النبوات وعلوم الشرائع ... ) ) [1] .
و أقول: قوله هذا ناقص و لا يصح في مجمله كتعريف لأصول الدين. لأنه أولا كان عليه أن يذكر دليله من الشرع، لأن الأولى و الأحق بتعريفة هو الله تعالى وحده، أو رسوله المُبلّغ عنه. و لا يحق لأي إنسان شرعا و لا عقلا أن يتقدم على الله و رسوله بتحديد أصول الدين و أركان الإسلام. فهذا الرجل يزعم العقل و هو قد خالفه هنا و قدم خلفيته المذهبية على الوحي الصحيح و العقل الصريح!!!. فكان من الواجب عليه شرعا و عقلا أن يعود إلى الوحي الصحيح و يذكر النصوص التي تُعرّف أصول الدين و تُحددها. لكنه لم يفعل هذا، و قرر مباشرة مذهب المعتزلة باسم دين الإسلام، و كأن مذهبه هو الوحي الصحيح. و هذا سلوك لا يصح، و مردود على صاحبه.
و التعريف الصحيح لأصول الدين و أركان الإيمان و الإسلام، موجود في الشرع وحده و ليس عند المعتزلة، و لا يحق لهم و لا لغيرهم أن يُعرف أصول الدين و أركان الإيمان و الإسلام من خارج الدين نفسه، و من يُخالف هذا فهو مُتبع لهواه و ليس متبعا لدين الإسلام. و فيما يخص أصول الدين و الإيمان فهي واضحة مُتجلية في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: (( {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا} النساء 136 - . فهذه هي أصول دين الإسلام الإيمانية الأساسية فهي خمسة، و ليست أربعة كما ذكر الرجل، و ليس من بينها علوم العدل الاعتزالي، و لا علوم الشرائع. لأن الشرائع هي من أركان الإسلام و ليست من أركان الإيمان، لقوله عليه الصلاة و السلام: (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله و إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان ) ) [2] . فالرجل كوّن أصولا منها ما هو من أركان الإسلام، و منها ما هو من أصول الإيمان، على أساس مذهبه
(1) المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول، حققه عبد السلام عباس الوجيه، ص: 21.
(2) البخاري: الصحيح، ج 1 ص: 11.