خلود الكفار في النار خلودا أبديا، فلا شك أن الشرع قد نص على ذلك و أكد عليه، كما سبق أن بيناه. لكن الشبهة التي أشار إليه القاضي عبد الجبار من أنها شبهة يُثيرها الملاحدة لا المسلمون، بقولهم: لا يوجد تناسب و لا عدل بين أفعال الكفار و العقاب الدائم، فهذا عمل لا يحسن فعله معهم. هي في الحقيقة شُبهة قد تَرِد على ذهن المسلم و الكافر معا، و هي شبهة ظاهرها قوي، و يجب الرد عليها. فأقول و بالله التوفيق: إن القاضي عبد الجبار أجاب على عليها بجواب ناقص و غير واضح من الناحية العقلية و الشرعية. و من المعروف أن العقاب يكون حسب الجريمة، و الجريمة قد تكون عملا إجراميا عند طرف، و قد تكون عملا بطوليا عظيما عند طرف آخر. و عليه فإن الطرف الذي يرى في ذلك العمل جريمة قد يحكم على صاحبه بالإعدام. لكن الطرف الآخر يُخالف هذا الحكم و يحكم على الفاعل بالبراءة، و يُنوّه بفعله، و يكافئها بجائزة نفيسة. و نفس الأمر ينطبق على ظاهرة الكفر بالله، فقد يرى الملحد أن الكافر بالله هو إنسان ذكي، و يجب شكره على كفره، و يُخالفه المؤمن بالله، و يرى في الكافر بخالقه أنه إنسان مجرم في حق الله، و مريض مُتبع لهواه، أضلته الشهوات و الشبهات، و أنه مُخالف للشرع و العقل و العلم. و بما أن الأمر هكذا بين البشر من جهة التباين الكبير في الحكم على أفعال البشر و تقدير عقوباتها و ثوابها، مدحها و ذمها. فإنه لا أحد يستطيع أن يُقدر التقدير الصحيح لعقوبة الكفر بالله و عصيانه، إلا الله سبحانه و تعالى. فهو الوحيد الذي يستطيع أن يضع العقاب العادل للكفر و العصيان، و لهذا قال سبحانه: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ} النور 15 - ، و {وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} البقرة 216 - . و بما أنه سبحانه عادل و لا يظلم أحدا، فإن تخليده المؤبد للكفار في النار هو العدل بعينه. و لو لم يكونوا يستحقونه بنواياهم و أفعالهم ما أخلدهم فيه.
و الشاهد على ذلك أيضا أن الله تعالى أخبرنا بأمر غريب و عجيب جدا و لا يُصدق لو لم يُخبرنا هو به سبحانه و تعالى، بقوله: {بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} الأنعام 28 - . فهل يُعقل أن الكفار الذين أخلدهم الله تعالى في النار و عذّبهم بها، لو أخرجهم منها و أعادهم إلى الدنيا، سيعودون إلى الكفر و العصيان؟؟!!!. نعم إنه أمر مُذهل و لا يكاد يُصدق، و لو أخبرنا به بشر ما صدقناه، لكنه صحيح و صدق لأنه الله تعالى علام الغيوب أخبرنا به.