فهؤلاء الكفار جنوا على أنفسهم بنواياهم و أعمالهم فعاملهم الله تعالى بعدله و حكمته.
و ثالثا إن قول المعتزلة بأن مرتكب الكبيرة هو في منزلة بين المنزلتين في النار، هو قول بنوه على ظنونهم و أهوائهم، و تقدموا به على الله و رسوله. و هذا لا يصح شرعا و لا عقلا، و كان من الواجب عليهم أن يرجعوا فيه إلى الشرع. فتكلموا في أمر ليس لأحد أن يتكلم فيه قبل الشرع و لا يجزم فيه، و هذا نموذج من انحرافات القوم المنهجية و جناياتهم التي ارتكبوها في حق الشرع و العقل معا. علمًا بأن الشرع قسم البشر إلى مسلمين و كفار. و الكفار أنواع حسب كفرهم، من يهود، و نصارى، و مجوس، و غيرهم. و المسلمون على ثلاثة فئات: مسلمون مؤمنون، و مسلمون غير مؤمنين، و مسلمون منافقون. فالمسلمون المؤمنون هم الذين يصدق عليهم الذين شهد لهم الشرع بالإيمان كقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} الحجرات 15 - ،و {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا} النساء 136 - . و المسلمون غير المؤمنين هم أصناف غير مشهود لهم بالإيمان أشار إليهم الشرع في آيات كثير، منها قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} الحجرات 14 - ،و {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} فاطر 32 - ،و {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} التوبة 102 - . و المسلمون المنافقون لم يُؤمنوا بالإسلام أصلا، لكنهم تظاهروا به، و كانوا محسوبين على الإسلام و المسلمين، و لهذا فهم كفار، و في الدرك الأسفل من النار. و عليه فإن المنزلة بين المنزلتين التي قال بها المعتزلة لا وجود لها في الشرع كمبدأ، و مرتكب الكبيرة هو مسلم عاصٍٍ من أمة الإسلام، و لا يصح تسميته بأنه في منزلة بين المنزلتين، و لا يصح تخليده في النار شرعا و لا عقلا.