فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 218

و غيره [1] ، لكنه لم ينص على أن هؤلاء من عُصاة المسلمين، و إنما قال: (( صنفان من أهل النار ... ) ). فهم ربما من المسلمين، و ربما من الكفار، أو من الطائفتين معا. و عليه فلا يصح الاحتجاج به، لأنه يُمكن حمله على الكفار دون المسلمين. فإذا كانوا من الكفار فأمرهم واضح، و كلامنا نحن يتعلق بعصاة المسلمين لا بالكفار. و حتى إذا افترضنا جدلا أن الحديث يشمل المسلمين، أو انه يخصهم دون غيرهم، فإن الحديث لم ينص و لا أكد على خلود هؤلاء في النار تخليدا مُؤبدا. و إنما هو نفى عن هؤلاء دخول الجنة مباشرة بسبب ما ارتكبوه من ذنوب، و لم ينف عنهم دخولها بعد دخولهم إلى جهنم و قضاء ما قدّره الله عليهم من المكوث فيها. و الدليل على هذا أيضا، أن النصوص الشرعية نصت على أن المسلمين العصاة لا يُخلدون في جهنم تخليدا أبديا [2] .

و أُشير هنا إلى أنه توجد أحاديث نبوية أخرى نصت صراحة على عدم دخول عُصاة المسلمين الجنة، منها قول النبي- عليه الصلاة و السلام-: (( لا يدخل الجنة منان، ولا عاق، ولا مدمن خمر ) )،و (( من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة ) ) [3] . وقال: (( لا يدخل الجنة قاطع رحم ) ) [4] .

و أقول: إنها أحاديث صريحة في عدم دخول عصاة المسلمين إلى الجنة، لكنها من جهة أخرى لم تنص و لا أكدت على عدم دخولهم الجنة مُطلقا على التأبيد. و بما أنه صحت الأحاديث بعدم خلود هؤلاء في جهنم، فلابد من رفع التناقض و البحث عن الوجه الصحيح الذي يجمع بين نفي دخول هؤلاء الجنة، و بين نفي خلودهم في جهنم خلودًا أبديا. إنه يُمكن رفع تناقضها بتفسيرين: الأول مفاده أن مقصود أحاديث عدم دخول عصاة المسلمين إلى الجنة، معناه أنهم لا يدخلونها بهذه الذنوب، فهي بذاتها تحرمهم من دخولها، لكنها لا تحرمهم من دخولها بما لهم من طاعات قد ترجح كفة الحسنات على السيئات، و بشفاعة - النبي-عليه الصلاة و السلام- لهم يوم القيامة [5] .

و التفسير الثاني مضمونه أن ذنوب العصاة تمنع أهلها من دخول الجنة مباشرة بعد الحساب، لأن كفة السيئات ترجحت على كفة الحسنات

(1) أنظر: مسلم: الصحيح، رقم الحديث: 5704، ج 6 ص: 168.

(2) سنذكر بعضا قريبا بحول الله تعالى.

(3) البخاري: الصحيح، رقم: 3166، ج 4 ص: 99.

(4) مسلم: الصحيح، رقم الحديث: 8566، ج 8 ص: 8.

(5) سنذكر بعض أحاديثها قريبا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت