العقاب، وإذا ثبت ذلك فيجب أن يرجع فيما الذي يفعله تعالى إلى السمع )) [1] .
و قال أيضا: (( و اتفقوا على أن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن و لا مسلم و دَيّن، وان أجازوا أن يقال مؤمن بالله مقيدا و يقولون فيه أيضا: ليس بكافر و لا منافق، لأن أحكام الكفر منتفية عنه، فلهذا قالوا بالمنزلة بين المنزلتين، و قد بينا أن ذلك أحد ما له لقبوا بالاعتزال ) ) [2] .
و استشهد بأحاديث نبوية عن خلود مرتكبي الكبائر دون توبة في النار، فذكر منها حديث: (( من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يَجَأ بها نفسه في جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ... ) )، و حديث (( صنفان من أهل النار لم أراهما بعد، قوم يضربون الناس معهم سياط كأذناب البقر. و نساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها ) ) [3] .
و ذكر محمود الزمخشري أن الكبيرة (( تحبط الطاعات، ومن مات من أهل الصلاة مُصِرًّا عليها خُلَّدَ في النار، وله منزلة بين منزلتين، ولا يسمى مؤمنا ومسلما على الإطلاق ولا كافرا ومشركا ومنافقا، بل يسمى فاسقا. وقالت الخوارج: يسمى كافرا ومشركا، وعن الحسن البصري يسمى منافقا، وعند المرجئة يسمى مؤمنا ومسلما على الإطلاق ) ) [4] .
و قال: (( فإن قلت: أما يشفع رسول الله صلى الله عليه وآله لأمته؟. قلت: بلى ولكن لمن ارتضى الله ليزدادوا تفضُّلا، وقصد بقوله:(شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) : التائبين وخصهم؛ لأنهم أحوج إلى الشفاعة وازدياد الفضل من غيرهم؛ لأن الكبائر أسقطت ما تقدم من ثواب أعمالهم، وهم بعد التوبة كمن استأنف العمل )).و (( فإن قلت: ما الدليل على خلود المُصرين في النار وعند المرجئة أنهم يخرجون منها؟. قلت: قوله تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا} النساء 14 - ،و {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} الانفطار 14 - ، و {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} البقرة 81 - . وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(من تردى من جبل فهو يتردى في النار خالدا مخلدًا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه في النار خالدا مخلدا" ) ) [5] ."
و ردا عليهم أقول: أولا إن قول المعتزلة بخلود مرتكب الكبيرة في النار خلودا مُؤبدا لا يصح شرعا و لا عقلا. فأما شرعا، فقد أشار القرآن الكريم إلى بعض مرتكبي الكبائر من المسلمين و نص على دخولهم جهنم و خلودهم فيها من دون تأبيد، كقوله سبحانه: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} النساء 93 - ،. و قد صح عن النبي -عليه الصلاة و السلام - أن أقواما يخرجون من جهنم بعد دخولهم فيها. منها قوله: (( يخرج من النار من قال لا اله الا الله وفى قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال لا اله الا الله وفى قلبه وزن برة من خير ويخرج من النار من قال لا اله الا الله وفى قلبه وزن ذرة من خير ) ) [6] .
و أما عقلا فلا يصح أن نسوي بين المسلم العاصي، و بين الكفار بأي حال من الأحوال. لأنه ليس من العدل أن نسوي بين المسلم العاصي الذي كان قد آمن بدين الإسلام، و له أعمال صالحة أطاع فيها الشرع و له أعمال أخرى عصى الله فيها بسبب بعض الكبائر مثلا، فرجحت كفة السيئات على الحسنات فدخل النار. فلا نسوي بينه و بين الكافر الذي كفر بدين الإسلام وارتكب المنكرات، و عاداه و حاربه!!. فمن العدل أن لا يُخلّد المسلم العاصي في النار، و من الظلم تخليده فيها. و بما أن الله تعلى لا يظلم حدا، فلا شك أنه سبحانه لا يُخلّد المسلم العاصي في النار.
و أما الحديثان اللذان استشهدا بهما، فالثاني (( صنفان من أهل النار لم أراهما بعد، قوم يضربون الناس معهم سياط كأذناب البقر. و نساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها ... ) ) [7] . فهو حديث صحيح رواه مسلم
(1) نفسه، ص: 209 - 210.
(2) نفس المصدر، ص: 350.
(3) أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار، و الحاكم الجشمي: فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة، ص: 154.
(4) الزمخشري: المنهاج في أصول الدين، ص: 26.
(5) نفس المصدر، ص: 30.
(6) البخاري: الصحيح، ج 1 ص: 17.
(7) أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار، و الحاكم الجشمي: فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة، ص: 154.