و مثال ذلك لو أن أستاذا في فصله الدراسي يعلم يقينا أن من تلامذته من هو ضعيف جدا، و لا يستطيع أن يُجيب على أسئلة الامتحان، فهل يستطيع أن يمنعه من إجراء الامتحان و يُرسبه؟!، و هل له الحق في ذلك؟. كلا، و إنما يجب عليه أن يسمح له بإجراء الامتحان مع علمه المسبق برسوبه. فهل هذا باطل و فاسد؟؟!!، كلا، بل هو عدل، و من حق التلميذ أن يجري الامتحان، و على الأستاذ أن يسمح له بذلك إقامة للحجة على التلميذ و أهله، و على إدارة المدرسة. و عليه فلا يُوجد التناقض و لا الفساد اللذان أشار إليهما الفخر الرازي عندما أنكر العلم المُسبق مع وجود التكليف.
و أما الموضوع الثاني، فمفاده أن المعتزلة أجمعوا على أن (( من أدخله الله النار خلّده فيها ) ) [1] . و دافع عن موقفهم القاضي عبد الجبار و انتصر لهم بقوله: (( (( إن قيل: كيف يصح أن يستحق المرء على ذنوب واقعة في أوقات معدودة، العقاب الدائم الذي لا آخر له؟ و كيف يصح فيمن آمن بالله و رسوله، و عمل ما يلزمه من العبادة، أن نقطع على أنه من أهل النار بهذه الكبائر، التي اتبع فيها الشهوة في حالة واحدة؟ و كيف تضيع عليه كل طاعاته بهذه الكبيرة؟ وكيف يصح في المكلف فيما لا يعلمه كبيرا أن يكون قد خطر؟ و هلا صح ما روي أن مع الإيمان لا يضر شيء، و أن مع الكفر لا ينفع شيء، إلى غير ذلك من الأخبار في هذا الباب. قيل له: إن القول بأن العقاب الدائم لا يحسن في الكفار و غيرهم، و إن وقع ذنبهم في أوقات يسيرة، خارج عن طريقة الإسلام، و إنما يسأل عن ذلك الملحدة. وقد صح من دين نبينا عليه السلام أن الكفار يعاقبون أبدا، وقد ورد الكتاب بمثله فيهم، فلا وجه يقتضي ذلك، و إنما الكلام مع المرجئة و العامة في أهل الكبائر. و كما ثبت خلود أهل الكفر في النار، ثبت أيضا في قاتل النفس، و الفار من الزحف، و آكل مال اليتيم، و غير ذلك التخليد ) ) [2] .
(( و قد صح أن من عظمت نعمة الله عليه، كانت معصيته أعظم، يبين ذلك أن الوالد إذا عظمت نعمته على ولده ثم عصاه، عظمت معصيته، و نعمة الله تعالى بان خلق احدنا على كمال و تمام، و بأن كلفنا و بين لنا، قد بلغت النهاية، فيجب في معصيته أن تعظم عظما خارجا عن العادة، وذلك يبين حسن العقاب الدائم، و لأنه إذا حسن أن يذم على الدوام، فكذلك
(1) الأشعري: مقالات الإسلاميين، ج 1 ص: 334.
(2) أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار، و الحاكم الجشمي: فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة، ص: 209 - 210.