و قبل إنهاء موضوع الهداية و الضلال، أُشير هنا إلى أن المفسر الفخر الرازي الأشعري (ت:606 هـ) يرى أن القول بأنه لا أحد يستطيع الخروج من علم الله، هو قول صريح بالجبر، و فاسد معناه، لأن (( العلم بعدم الإيمان ووجود الإيمان متنافيان، فالتكليف بالإيمان مع وجود العلم بعدم الإيمان تكليف بالجمع بين النفي والإثبات. ) ) [1] .
و أقول: اعتراضه هذا لا يصح، لأن علم الله المستقبلي هو من كماله سبحانه، و من ضروريات الألوهية، و قد نصت عليه النصوص الشرعية، كقوله سبحانه: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} التوبة 78 - ،و {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} الرعد 9 - ،و {عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} سبأ 3 - . و لا يُوجد في إثبات علم الله المستقبلي بمصير كل إنسان، و بين تكليفه بالإيمان تناقض و لا فساد. لأن سبق العلم الإلهي لا يعني جبرا، و لا قهرا، و إنما هو كشف عما سيقع مستقبلا، و لن يستطيع الإنسان أن يعمل عملا ما، لا يكون داخلا في العلم الإلهي.
و لا يُوجد في العلم و التكليف فساد، لأن تكليف الله تعالى للبشر بالإيمان مع علمه بمن سيستجيب و يُؤمن بكامل حريته فيدخل الجنة، و بمن لا يستجيب فلا يُؤمن بكامل حريته فيدخل النار، ليس هو جبرا و لا عبثا، و لا تناقضا، و إنما هو إقامة للحجة من الله تعالى على عباده. فمن كان في علم الله أنه لا يُؤمن فلن يُؤمن قطعا، لكن كفره هذا لا جبر فيه و لا قهر، و إنما هو فعل حر أختاره صاحبه بإرادته. و تكليف الله له هو من باب إقامة الحجة على البشر بحق و عدل و حكمة. و مع أنه سبحانه لو حاسب البشر على أعمالهم من دون أن يخلقهم و يقومون بأفعالهم في الدنيا، لكان عادلا معهم و لم يظلمهم، لأنه يعلم بما سيقومونه به في الدنيا؛ لكنه مع هذا فإنه لم يفعل ذلك معهم، و قرر خلقهم ليُقيم الحجة عليهم عمليا، فَخَلقهم و كَلفهم و أشهدهم على أنفسهم و أعمالهم قطعًا لأي تحجج من الإنسان لو حاسبه على أفعاله -التي كان على علم بها مُسبقا- من دون أن يخلقه في الدنيا و يُمارس أعماله فيها.
(1) الفخر الرازي: مفاتيح الغيب من القرآن الكريم، دار إحياء التراث العربي، ج 1 ص: 214.