أخذ بموجباته. فالله تعالى لا يضل إلا من طلب الضلال و سعى إليه بكفره و عصيانه لله تعالى.
و ثالثا إن اعتراضات القاضي عبد الجبار لا تصح، لأنه طرحها بطريقة تغليطية تلبيسية تحريفية من جهة، و دلت على أنه و أصحابه إما أنهم لا يفهمون الشرع، أو أنهم يتعمدون طرح تلك الاعتراضات الزائفة لغايات في أنفسهم من جهة أخرى. لأن الله تعالى بيّن موضوع الهداية و الضلال بوضوح لا لُبس فيه، و حسمه حسما قطعيا كما سبق أن بيناه. فالله تعالى دعا كل البشر إلى الإيمان به، و هداهم النجدين، فمن شاء فليُؤمن، و من شاء فليكفر، على أن يتحمل كل إنسان مسؤولية أعماله. فمن آمن و اتبع شرعه هداه و أدخله الجنة، و من كفر و عصاه و خالف شرعه أضله و أدخله النار. فالله تعالى هدى المؤمنين و جنّبهم الضلال، لأنهم استجابوا له، و ظلّ الكفار و حرمهم من الإيمان لأنهم كفروا به و عصوه. فهو لم يمنعهم من الإيمان ابتداءً، و لا صرفه عنهم ظلما، و إنما هم الذين عصوا خالقهم و اختاروا الكفر برضاهم، فعاقبهم بالضلال وفق عدله و حكمته. و عليه فلا تصح اعتراضات المعتزلة و شقشقاتهم و تلبيساته و تهويلاتهم، بدعوى أن الله منع الإيمان عن الكفار، و أضطرهم إلى الكفر. فهذا كلام سخيف، و اعتراض صبياني، و فهم فاسد و قاصر لموضوع الهداية و الضلال.
و رابعا إن قول الزمخشري بأنه يجب على الله تعالى فعل الصلاح، أو الأصلح، أو هما معا، من أجل مصلحة الإنسان، فهو زعم باطل عقلا و شرعا. لأنه لا يحق للمخلوق أن يُوجب أمرا على الخالق، لأن الخالق عز وجل فعال لما يُريد، و يفعل ما يشاء و يختار، و لا أحد يُوجب عليه فعل أمر ما إلا ما أوجبه هو على نفسه. و الوحي الإلهي الصحيح بين أيدينا- القرآن الكريم- دليل قاطع على أن الله سبحانه هو الذي خلق الإنسان و أوجب عليه عبادته من باب الأمر و ليس من باب الإجبار القسري العملي. ثم بعد ذلك هداه النجدين، و أنزل عليه شريعته، فمن آمن به و ألتزم بشرعه أدخله الجنة، و من عصاه أدخله النار.
و بناءً على ذلك فالله تعالى أراد مصلحة عباده على شرط طاعته، فإن أطاعوه أدخلهم الجنة التي خلقها للمؤنين الصالحين. و إن هم عصوه أدخلهم النار التي خلقها عقابا لمن عصاه. و هذا يعني أنه أراد لهم ذلك لأنهم عصوّه. و لا شك أنه ليس من مصلحة الإنسان عامة أن يخلق الله