تسلّطوا عليه بالانتقاء و الاغفال لنصوصه،، و الهجوم عليه بتأويلاتهم الفاسدة. فكان عليهم أن يجمعوا كل النصوص الشرعية المتعلقة بالهداية و الضلال، ثم يفهمونها بالمنهج الصحيح الموافق للشرع و العقل معا. لكنهم لم يفعلوا ذلك، فضلوا و أضلوا في موقفهم من هذه القضية.
و بيان ذلك هو أننا إذا رجعنا إلى الشرع وجدناه قد، حسم أمر الهداية و الضلال حسما قطعيا، و بينه بيانا واضحا جليا لا يحتاج إلى زيادة أبدا. فنص صراحة على أن الهداية و الضلال هما بيد الله وحده يهدي من يستحق الهداية و يضل من يستحق الضلال، و أن القلوب بيده سبحانه يٌقلبها بعدله و حكمته كما يشاء، و كيفما يشاء، و متى يشاء. قال سبحانه: (وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ البقرة 213 - ،و {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ} المدثر 31 - ،و {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} -،و {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} الأنفال 24 - ،و {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} الأنعام 110 - ،و {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} الإسراء 46 - . لكنه سبحانه أخبرنا من جهة أخرى أنه لا يفعل ذلك ظلما، و لا عبثا، و إنما يفعله عدلا و حكمة و حقا، و جعله مرتبطا أولا بأفعال الإنسان من إيمان و عمل صالح، أو كفر و عصيان. فقال سبحانه: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} التغابن 11 - ،و {وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ} إبراهيم 27 - ،و(( و من يؤمن بالله يهدي ) )، و {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} -،و {يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} المائدة 16 - ،و {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} الأعراف 55 - ،و {فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} آل عمران 32 - .
و ثانيا إن الشاهد الدامغ على ما ذكره الشرع، هو أن المتدبر في نفسه و في غيره من الناس يتأكد من أن أحوال قلبه لا يملكها، و لا يستطيع التحكم فيها في حالات كثيرة، منها موضوع الهداية و الضلال. و لو كان الإنسان هو المالك و المتصرف في قلبه و أحواله الوجدانية تصرفا كاملا