من جهتين لكي تُفهم فهما صحيحا. الأولى هي أن الآية يجب فهمها انطلاقا مما ذكرناه سابقا من أن الله تعالى لم يصف أفعال العباد بالخلق، بمعنى أنهم لا يخلقونها عند ممارستهم لها، و لا جعل البشر خالقين لأعمالهم. و بما أن القرآن الكريم كتاب مُحكم مُفصل مُبيّن لا يأتيه الباطل أبدا، و يُفسر نفسه بنفسه، فلا بد أن تلك الآية لا تعني بقولها (( وَتَخْلُقُونَ أفكا ) )أنهم يخلقون أعمالهم. و الوجه الثاني مفاده أن قوله تعالى )): وَتَخْلُقُونَ أفكا )) ، لا يعني أن هؤلاء خلقوا عملا حقيقيا، و إنما فعلوا عملا زائفا كاذبا لا حقيقة له في الواقع، و هذا خلاف الخلق الحقيقي. و بما أنه لا يُوجد خلق زائف و غير حقيقي، فإن معنى الخلق الوارد في الآية يعني الاختلاق، أي الإفك و الكذب المُتعمدان. قال تعالى: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} ص 7 - . فهؤلاء الكفار أختلقوا أباطيل و أكاذيب، فوصفهم القرآن الكريم بقوله: (( وَتَخْلُقُونَ أفكا ) ). و الله تعالى أعلم بالصواب.
و أما الآيتان الأخيرتان فهما: قال تعالى: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} المؤمنون 14 - ،و {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ، أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ} - سورة الصافات:123 - 125 - . فالآيتان أشارتا إلى وجود خالقين و ليس وجود خالق واحد فقط. فهل يُوجد خالق غير الله تعالى؟؟!!. إنه يجب فهم الآيتين فهما صحيحا انطلاقا من مُحكمات الشرع و يقينياته و بديهياته، أولها هو أنه لا خالق و لا رب إلا الله تعالى، قال تعالى: {ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} الأنعام 102 - ، و {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} فاطر 3 - ،و {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} غافر 62 - . و منها أنه سبق أن بينا أن الشرع لم يصف أفعال العباد بالخلق، و إنما بالفعل و العمل و الكسب، لا أنهم خالقون لها. و بما أن الأمر كذلك فلا يصح تفسير الآيتين بأنهما أشارتا إلى وجود خالقين حقيقيين غير الله سبحانه و تعالى. و إنما أشارتا إلى الخالقين و الآلهة و الأرباب المزيفة التي يعبدها الكفار. فهي عندهم أرباب و آلهة حقيقية تخلق و تتصرف في الكون حسب اعتقادهم الزائف. فالله تعالى أشار إلى أنه سبحانه هو الإله الحق، و أنه أحسن هؤلاء الخالقين الزائفين المُختلقين الذين يعبدهم الكفار