فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 166

ومما سبق يتضح أن ثمة خلافًا بين المسلمين والنصارى في الأصل اليوناني لكلمة «بارقليط» حيث يعتقد المسلمون أن أصلها «بيركلوتوس» وأن ثمة تحريفًا قام به النصارى لإخفاء دلالة الكلمة على اسم النبي صلى الله عليه وسلم أحمد: الذي له حمد كثير.

ومثل هذا التحريف لا يستغرب وقوعه في كتب القوم، ففيها من الطوام مما يجعل تحريف كلمة «البيرقليط» من السهل الهين.

كما أن وقوع التصحيف والتغير في الأسماء كثير عند الترجمة بين اللغات وفي الطبعات، فاسم «بارباس» في الترجمة البروتستانتية هو في نسخة الكاثوليك «بارابا» ، وكذا «المسيا، ماشيح» و «شيلون، شيلوه» وسوى ذلك، وكلمة «البارقليط» مترجمة عن السريانية لغة المسيح الأصلية فلا يبعد أن يقع مثل هذا التحوير حين الترجمة.

ولجلاء التحريف في هذه الفقرة فإن أدوين جونس في كتابه «نشأة الديانة المسيحية» يعترف بأن معنى البارقليط: محمد، لكنه يطمس اعترافه بكذبة لا تنطلي على أهل العلم والتحقيق، فيقول بأن المسيحيين أدخلوا هذا الاسم في إنجيل يوحنا جهلًا منهم بعد ظهور الإسلام وتأثرهم بالثقافة الدينية للمسلمين.

وأيًا كان المعنى للبارقليط: أحمد أو المعزي فإن الأوصاف والمقدمات التي ذكرها المسيح للبارقليط تمنع أن يكون المقصود به روح القدس، وتؤكد أنه كائن بشري يعطيه الله النبوة، وذلك واضح من خلال التأمل في نصوص يوحنا عن البارقليط.

-استعمل يوحنا في حديثه عن البارقليط أفعالًا حسية (الكلام، والسمع، والتوبيخ) في قوله:"كل ما يسمع يتكلم به"، وهذه الصفات لا تنطبق على الألسنة النارية التي هبت على التلاميذ يوم الخمسين، إذ لم ينقل أن الألسنة النارية تكلمت يومذاك بشيء، وأما الروح فغاية ما يصنعه إنما هو الإلهام القلبي، وأما الكلام فهو صفة بشرية، لا روحية.

-فهم أوائل النصارى قول يوحنا بأنه بشارة بكائن بشري، وادعى مونتنوس في القرن الثاني (187 م) أنه البارقليط القادم، ومثله صنع ماني في القرن الرابع فادعى أنه البارقليط، وتشبه بالمسيح فاختار اثنا عشر تلميذًا وسبعون أسقفًا أرسلهم إلى بلاد المشرق، ولو كان فهمهم للبارقليط أنه الأقنوم الثالث لما تجرؤوا على هذه الدعوى.

-"إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي"؛ ومن صفات الآتي أنه يجيء بعد ذهاب المسيح من الدنيا، فالمسيح وذلك الرسول المعزي لا يجتمعان في الدنيا، وهذا ما يؤكد مرة أخرى أن المعزى لا يمكن أن يكون الروح القدس الذي أيد المسيح طيلة حياته، بينما المعزي لا يأتي الدنيا والمسيح فيها، وروح القدس سابق في الوجود على المسيح، وموجود في التلاميذ من قبل ذهاب المسيح، فقد كان شاهدًا عند خلق السماوات والأرض (انظر سفر التكوين 1/ 2) ، وكان مع بني إسرائيل طويلًا"أين الذي جعل في وسطهم روح قدسه" (سفر إشعيا 63/ 11) .

وكان لروح القدس دور في ولادة عيسى، كما اجتمعا سويًا يوم تعميد المسيح، حين"نزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة" (لوقا 3/ 22) ، فالروح القدس موجود مع المسيح وقبله، وأما المعزي"إن لم أنطلق لا يأتيكم"،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت