قال النووي في شرح صحيح مسلم:"قوله صلى الله عليه وسلم: (( لو تركتيها ما زال قائمًا ) )أي موجودًا حاضرًا"، ثم بيّنَ رحمه الله سبب فناء سمنِ العُكّة والشعير حين عُصِرت أو كِيل، فقال:"الحكمة في ذلك أن عصرَها وكَيْلَه مضادةٌ للتسليم والتوكل على رزق الله تعالى, ويتضمن التدبيرَ, والأخذَ بالحول والقوة, وتكلُفَ الإحاطةِ بأسرار حِكم الله تعالى وفضله , فعوقب فاعِلُه بزواله" [1] ؛ أي كأنه خرج من التسليم لقدرة الله وعظيمِ فِعله، إلى الطمع في معرفة سبب أرضي ومادي له، فانقطع لذلك.
ومن آيات النبي صلى الله عليه وسلم الظاهرة أن الحجر والجمادات كانت تعرفه وتقر له بالنبوة والرسالة، روى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن سَمُرَةَ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ [2] .
قال النووي في شرح صحيح مسلم:"فيه معجزة له صلى الله عليه وسلم، وفي هذا إثبات التمييز في بعض الجمادات، وهو موافق لقوله تعالى في الحجارة: (وإن منها لما يهبط من خشية الله) ، وقوله تعالى: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) ".
وذكر البيهقي في دلائل النبوة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فخرج في بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال: له السلام عليك يا رسول الله) .
فسلام الحجر وهو جماد أمر خارق للعادة، معجز للبشر أن يأتوا بمثله، فلذا هو آية النبوة المحمدية ومعجزة من معجزات الحبيب صلى الله عليه وسلم.
ومن ذلك أيضًا، ما ذكرته كتب السنة من تسبيح الحصى والجماد في يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول ابن مسعود رضي الله عنه:"لَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ" [3] ، أي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم.
ويقول أبو ذر رضي الله عنه: إني شاهد عند النبي صلى الله عليه وسلم في حَلْقَة، وفي يده حصى، فسبّحنَ في يده، وفينا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فسمع تسبيحَهن مَنْ في الحَلْقَة، ثم دفعهن النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر، فسبحن مع أبي بكر، سمع تسبيحهن من في الحلقة، ثم دفعهن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسبَّحنَ في يده، ثم دفعهنّ النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمر، فسبحن في يده، وسمع تسبيحهنّ مَنْ في الحلقة، ثم دفعهن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن عفان، فسبّحن في يده، ثم دفعهنَّ إلينا، فلم يسبّحن مع أحدٍ منا [4] .
(1) 5 - شرح النووي على صحيح مسلم (15/ 42) .
(2) 1 - صحيح مسلم كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم.
(3) 2 - رواه البخاري ح (3579) .
(4) 3 - رواه الطبراني في الأوسط ح (1244) ، والبزار ح (4040) ، وقال الهيثمي:"وله طرق أحسن من هذا في علامات النبوة، وإسناده صحيح". مجمع الزوائد (5/ 327) ، وصححه الألباني في تخريج كتاب"السنة"ح (1146) .