فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 166

ثانيًا: النظر في نصر الله أو خذلانه لمدعى الرسالة:

المحور الثاني الذي دارت حوله محاورة هرقل لأبي سفيان، تمثل في معرفة هل نصر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أم لا، فإن كان قد نصره فهذا دليل على نبوته وبعثته، أم إذا كانت الإجابة لا، فإن الله عزوجل لا يؤيد أو ينصر الكذابين.

يقول هرقل:"وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمْ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ."

وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ أَمْرُ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ.

وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ.

وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ وَقَاتَلَكُمْ فَزَعَمْتَ أَنْ قَدْ فَعَلَ وَأَنَّ حَرْبَكُمْ وَحَرْبَهُ تَكُونُ دُوَلًا وَيُدَالُ عَلَيْكُمْ الْمَرَّةَ وَتُدَالُونَ عَلَيْهِ الْأُخْرَى وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى وَتَكُونُ لَهَا الْعَاقِبَةُ"."

في ضوء هذه الأسئلة والأجوبة يدور ذلك المحور تأييد الله ونصره لأنبيائه، فإن من أبلغ أدلة صدق النبي صلى الله عليه وسلم إقرار الله لدعوته؛ وقد أخبر الله تعالى في كتابه أن رسول الله صلى لله عليه وسلم لو تقوّل على ربه شيئا من الأقاويل لأهلكه، قال تعالي: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) [الحاقة:41 - 47] ، وقال سبحانه: (قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى) [طه:61] ، وقال تعالى: (قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) [يونس:69] ، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) [الزمر: 3] ، وما خاب النبي صلى الله عليه وسلم ولا ضل بل هُدي وأفلح في كل المجالات، وصار دينه من أعظم الأديان في الأرض وأكثرها انتشارا.

لقد دلّ القرآن الكريم واتفقت الكتب والشرائع على أنّ الله عزوجل لا يؤيّد الكذّاب عليه، بل لا بُدّ أن يظهر كذبه، وأن ينتقم منه، وعد الله عزوجل إدعاء النبوة والرسالة كذبًا من أعظم الافتراء عليه فقال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًَا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِليَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيهِ شَيء وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ الله) [الأنعام: 93] .

وإن القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كاذبًا في نبوته لهو طعن في الرب تبارك وتعالى، ولقد استدل الإمام ابن القيم على صحة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصر الله وتأييده له، يقول ابن القيم: وقد جرت لي مناظرة بمصر مع أكبر من يشير إليه اليهود بالعلم والرياسة، فقلت له في أثناء الكلام: أنتم بتكذيبكم محمدا صلى الله عليه وسلم قد شتمتم الله أعظم شتيمة، فعجب من ذلك وقال: مثلك يقول هذا الكلام؟ فقلت له: اسمع الآن تقريره؛ إذا قلتم: إن محمدا ملك ظالم، وليس برسول من عند الله، وقد أقام ثلاثا وعشرين سنة يدعي أنه رسول الله أرسله إلى الخلق كافة، ويقول أمرني الله بكذا ونهاني عن كذا، وأُوحي إلي كذا؛ ولم يكن من ذلك شيء، وهو يدأب في تغيير دين الأنبياء، ومعاداة أممهم، ونسخ شرائعهم؛ فلا يخلو إما أن تقولوا: إن الله سبحانه كان يطلع على ذلك ويشاهده ويعلمه، أو تقولوا: إنه خفي عنه ولم يعلم به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت