فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 166

وكان زهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رغبة في الآخرة الباقية ونفورًا من الدنيا الفانية، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يتقلب في اليسار والقلة حتى توفي صلى الله عليه وسلم، فتارة يوسر، وتارة ينفد ما عنده لإخراجه في طاعة الله من وجوه البر، وإيثار المحتاجين، وضيافة الطارقين، وتجهيز السرايا، وغير ذلك، وهكذا كان خلق صاحبيه - رضي الله عنهما - بل أكثر أصحابه.

وروى البخاري في صحيحه عن عقبةَ قال: صلَّيتُ وراءَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالمدينةِ العصرَ فسلَّمَ، ثم قام مسرعًا، فتخطّى رقابَ الناسِ إلى بعضِ حُجَرِ نسائِه، ففزِع الناسُ من سُرْعَتِه، فخرَج عليهم فرأى أنهم عجِبوا من سرعته فقال:"ذكرتُ شيئًا من تِبْرٍ [1] عندَنا، فكرِهْتُ أن يحبِسَني [2] ، فأَمَرْتُ بقِسْمَته" [3] .

كان النبي صلى الله عليه وسلم القمة في التواضع فكان يرقّع ثوبه، ويخصف نعله، ويحلب شاته، ويأكل مع العبد، ويجلس على الأرض، ورغم انشغاله كان يجيب دعوة الجارية الصغيرة ويسير معها في طرقات المدينة لا يتحرج من ذلك، يقول أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ [4] .

وهذا الحديث يدل على عظم تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو تواضع لم يسبق إليه أحد، فالتي ينقاد إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمة من أي إماء المدينة لا يهم نسبها أو مكانتها، وتذهب به صلى الله عليه وسلم إلى المكان التي تريد؛ يقول الحافظ ابن حجر: (والتعبير بالأخذ باليد إشارة إلى غاية التصرف حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة والتمست منه مساعدتها في تلك الحاجة على ذلك، وهذا دال على مزيد تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكبر صلى الله عليه وسلم"."

وعن أنسِ بنِ مالكٍ رضى الله عنه قال:"مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي قَالَتْ إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي وَلَمْ تَعْرِفْهُ فَقِيلَ لَهَا إِنَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ فَقَالَتْ لَمْ أَعْرِفْكَ فَقَالَ إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى" [5] .

ونرى كيف أنه لم يكن من شأنه صلى الله عليه وسلم أن يتخذ بوابا مع قدرته على ذلك تواضعا، وكان من شأنه أنه لا يستتبع الناس وراءه إذا مشى كما جرت عادة الملوك والأكابر، فلذلك اشتبه على المرأة فلم تعرفه مع ما كانت فيه من شاغل الوجد والبكاء.

(1) 4 - الذهب.

(2) 1 - أي يشغله صلى الله عليه وسلم التفكر فيه عن التوجه والإقبال على الله تعالى.

(3) 2 - رواه البخاري في الصلاة، باب من صلى بالناس فذكر حاجة فتخطاهم.

(4) 3 - البخاري كتاب الأدب باب الكبر.

(5) 4 - صحيح البخاري كتاب الجنائز باب زيارة القبور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت