فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 166

وهذا يهودي آخر كاد أن تضله نفسه عن طريق الحق إلا إنه أفاق وذكر قومه من أهل الكتاب بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم الواردة في التوراة، إنه مخيريق خير يهود كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ذكر ابن هشام في السيرة النبوية عن ابن إسحاق قال: كان من حديث مخيريق، وكان حبرا عالما، وكان رجلا غنيا كثير الأموال من النخل وكان يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفته وما يجد في علمه وغلب عليه إلف دينه فلم يزل على ذلك حتى إذا كان يوم أحد، وكان يوم أحد يوم السبت من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة، فقال: يا معشر يهود! والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم لحق.

قالوا: إن اليوم يوم السبت.

قال: لا سبت لكم، ثم أخذ سلاحه، فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد، وعهد إلى من وراءه من قومه إن قتلت هذا اليوم فأموالي لمحمد صلى الله عليه وسلم يصنع فيها ما شاء.

فلما اقتتل الناس قاتل حتى قتل فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (مخيريق خير يهود) [1] .

ومن ذلك ما رواه الطبراني في المعجم الكبير عن الفَلْتَانِ بن عَاصِمٍ، قَالَ: كُنَّا قُعُودًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ، فَشَخَصَ بَصَرُهُ إِلَى رَجُلٍ يَمْشِي فِي الْمَسْجِدِ.

فَقَالَ:"يَا فُلانُ"، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَلا يُنَازِعُهُ الْكَلامَ إِلا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ.

فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟".

قَالَ: لا، قَالَ:"أَتَقْرَأُ التَّوْرَاةَ؟"، قَالَ: نَعَمْ، وَالإِنْجِيلَ، قَالَ:"وَالْقُرْآنَ؟".

قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَشَاءُ لَقَرَأْتُهُ، قَالَ: ثُمَّ نَاشَدَهُ.

قَالَ:"تَجِدُنِي فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ؟".

قَالَ: أَجِدُكَ مِثْلَكَ وَمِثْلَ هَيْأَتِكَ وَمِثْلَ مَخْرَجِكَ، وَكُنَّا نَرْجُو أَنْ يَكُونَ مِنَّا، فَلَمَّا خَرَجْتَ تَحَيَّرْنَا أَنْ تَكُونَ أَنْتَ هُوَ فَنَظَرْنَا وَإِذَا لَيْسَ أَنْتَ هُوَ.

قَالَ:"وَلِمَ ذَلِكَ؟".

قَالَ: إِنَّ مَعَهُ مِنْ أُمَّتِهِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ، وَمَعَكَ نَفَرٌ يَسِيرٌ.

قَالَ:"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَنَا هُوَ وَإِنَّهُمْ لأُمَّتِي لأَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا وَسَبْعِينَ أَلْفًا" [2] .

ومن الأخبار المماثلة للخبر السابق، ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي صخر العقيلي قال حدثني رجل من الأعراب، قال: جَلَبْتُ جَلُوبَةً [3] إِلَى الْمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ بَيْعَتِي، قُلْتُ لَأَلْقَيَنَّ هَذَا الرَّجُلَ فَلَأَسْمَعَنَّ مِنْهُ، قَالَ فَتَلَقَّانِي بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ فَتَبِعْتُهُمْ فِي أَقْفَائِهِمْ [4] حَتَّى أَتَوْا عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ نَاشِرًا التَّوْرَاةَ يَقْرَؤُهَا يُعَزِّي بِهَا نَفْسَهُ عَلَى ابْنٍ لَهُ فِي الْمَوْتِ كَأَحْسَنِ الْفِتْيَانِ وَأَجْمَلِهِ.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ هَلْ تَجِدُ فِي كِتَابِكَ ذَا صِفَتِي وَمَخْرَجِي.

فَقَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا أَيْ لَا.

فَقَالَ ابْنُهُ إِنِّي وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ إِنَّا لَنَجِدُ فِي كِتَابِنَا صِفَتَكَ وَمَخْرَجَكَ وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.

فَقَالَ أَقِيمُوا الْيَهُودَ عَنْ أَخِيكُمْ ثُمَّ وَلِيَ كَفَنَهُ وَحَنَّطَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ [5] .

وإذا كان هذا الأب لم يهزه منظر ابنه المحتضر ليدفعه إلى الإسلام والإيمان، فإن يهوديًا آخر نصح ابنه نصيحة ليته عمل بها، روى البخاري في صحيحه عن أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ أَسْلِمْ فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ [6] .

وفي الحديث من دلائل نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقين اليهود ببعثة ونبوته صلى الله عليه وسلم، غير أن من أعظم الدلائل التي دل عليها هذا الحديث رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرصه على هداية الناس وقد بذل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك جهده ووقته وحياته وهو ما لا يقوم به إلا خاتم النبيين الصادق المصدوق محمد صلى الله عليه وسلم.

كما أن فرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بهداية هذا الصبي الصغير المقبل على الموت دليل آخر على عظمة هذا النبي الكريم، فما يستفيده رسول الله صلى الله عليه وسلم من صبي صغير مقبل على الموت إلا هداية هذا الصبي إلى طريق الحق.

أما من الأخبار العجيبة التي تؤكد معرفة أهل الكتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبنائهم وجحدهم لنبوته صلى الله عليه وسلم رغم الدلائل الباهرة والأمارات الظاهرة، فهو قصة سيدا بني النضير"حيي بن أخطب"، وأخوه"أبو ياسر"،

(1) 1 - السيرة النبوية لابن هشام (2/ 126) .

(2) 2 - قال الهيثمي: رواه الطبراني، ورجاله ثقات من أحد الطريقين، انظر مجمع الزوائد للهيثمي 8/ 242.

(3) 1 - الجلوبة: ما يُجْلَبُ للبيع من كل شيء وجَمْعُه الجَلاَئب.

(4) 2 - أي تبعتهم من ورائهم.

(5) 3 - رواه الإمام أحمد في مسنده (5/ 411) ، وقال ابن كثير في السيرة النبوية:"هذا إسناد جيد وله شواهد في الصحيح عن أنس بن مالك رضى الله عنه"السيرة النبوية (1/ 323) .

(6) 4 - رواه الإمام البخاري في صحيحه 1290.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت