هذه هي قصة ورقة بن نوفل رضي الله عنه، ولعل من أعظم فوائدها الدليل على أن علماء أهل الكتاب كانوا يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم بدون عناء وجهد في البحث حيث كانت علامات النبوة وأمارات الرسالة ظاهرة واضحة لمن كان على علم وتبصر في شأنه صلى الله عليه وسلم.
ومن هذه الوقائع إسلام عالم اليهود وابن عالمهم عبد الله بن سلام رضي الله عنه الذي شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة.
كان عبد الله بن سلام من يهود المدينة الذين يعرفون صفة النبي المنتظر وينتظرون خروجه، ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة النبوية كان عبد الله بن سلام كان فوق نخلة له، فسمع رجة فقال: ما هذا؟، قالوا: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قدم، فألقى بنفسه من أعلى النخلة ثم خرج ينظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبحث عن علامات النبوة.
يقول عبد الله بن سلام: فلما تبينت وجهه، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب [1] ، فكان أول شيء سمعته يقوله: (أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) [2] .
ثم رجع فقالت له أمه: لله أنت، لو كان موسى بن عمران عليه السلام ما كان بذلك تلقي نفسك من أعلى النخلة، فقال: والله لأنا أشد فرحا بقدوم رسول الله من موسى إذ بعث [3] .
وفي رواية ابن إسحاق: أنه قال لعمته خالدة: أي عمة، هو والله أخو موسى بن عمران، وعلى دينه، بعث بما بعث به، فقالت: أي ابن أخي! أهو النبي الذي كنا نخبر أنه يبعث مع نَفَس الساعة؟ فقلت لها: نعم [4] .
ثم توجه ابن سلام بعد ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسأله عن أمور يعلم أنه لا يعرفها إلا نبي، روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ مَقْدَمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ قَالَ مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَنْزِعُ الْوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَنْزِعُ إِلَى أَخْوَالِهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَّرَنِي بِهِنَّ آنِفًا جِبْرِيلُ.
قَالَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وَأَمَّا الشَّبَهُ فِي الْوَلَدِ فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَشِيَ الْمَرْأَةَ فَسَبَقَهَا مَاؤُهُ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ وَإِذَا سَبَقَ مَاؤُهَا كَانَ الشَّبَهُ لَهَا.
(1) 1 - في هذا دليل صريح على أن إمارات الصدق ودلائل النبوة كانت تلوح من وجه رسول الله (، فمن رأه ولم يؤمن به فقد خاب خيبة كبيرة.
(2) 2 - رواه الإمام أحمد في مسنده (22668) .
(3) 3 - قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات إلا أن حمزة بن يوسف لم يدرك جده عبدالله بن سلام، مجمع الزوائد 8/ 243.
(4) 4 - ابن هشام في السيرة النبوية (2/ 125) .